المتفرج … الشريك الخفي في اكتمال العرض المسرحي

المتفرج … الشريك الخفي في اكتمال العرض المسرحي
محمد مفرق
حين تُضاء الخشبة وتبدأ الشخصيات في التحرك ، يظن الكثير أن العرض المسرحي يبدأ بالممثل وينتهي بتحيته الأخيرة أمام الجمهور . غير أن الحقيقة أعمق من ذلك فالعرض لا يكتمل إلا بوجود المتفرج ، ليس بوصفه شاهداً صامتاً ، وإنما بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى . فالمسرح بخلاف كثير من الفنون لا يعيش إلا في لحظة اللقاء بين الممثل والجمهور ، وكل ما يحدث على الخشبة يظل ناقصاً حتى يجد صداه في وعي المتلقي .
إن استجابة الجمهور ليست فعلاً عشوائياً ، بل عملية نفسية معقدة تتداخل فيها الذاكرة ، والخبرة ، والثقافة ، والانفعال ، والتوقع . فقد يصفق المتفرج لمشهد ليس لأنه الأكثر إبهاراً من الناحية التقنية أو المشهدية البصرية ، بل لأنه لامس تجربة شخصية عاشها ، أو أيقظ فيه إحساساً دفيناً ، أو منحه تفسيراً جديداً للحياة . وفي المقابل ، قد يمر مشهد آخر بإمكانات إخراجية عالية دون أن يترك أثراً يُذكر ، لأنه لم يجد طريقه إلى العالم الداخلي للمتلقي .
ولذلك تنشأ أهمية ما يعرف في النقد الحديث بـ«نظرية التلقي» ، التي لم تعد تنظر إلى الجمهور بوصفه مستهلكاً للعمل الفني ، ومجرد حاضر يحسب على كرسي من كراسي المتفرجين ، بل شريكاً في اكتماله . فالنص المسرحي لا يحمل معنى واحداً ثابتاً ، وإنما يظل مفتوحاً على قراءات متعددة ، تتشكل وفق الخلفية الفكرية والنفسية لكل متفرج . وهنا تكمن قوة المسرح ، ولهذا السبب قد يشاهد مئات الأشخاص العرض نفسه ، ثم يغادر كل واحد منهم وهو يحمل عرضاً مختلفاً في ذاكرته ، وتفسيراً مختلفاً عن بقية الحاضرين لتفاصيل العمل .
ولعل هذا ما يفسر أيضاً اختلاف استجابة الجماهير من مجتمع إلى آخر ، ومن زمن إلى آخر ، بل وحتى من ليلة عرض إلى أخرى . فالمتفرج لا يدخل المسرح بعينيه فقط ، وإنما يدخل معه تاريخه الشخصي ، وقيمه ، ومخاوفه ، وأحلامه ، وأسئلته المؤجلة . ولذلك فإن نجاح العرض لا يقاس بعدد الضحكات أو طول التصفيق وحدهما ، بل بقدرته على إحداث أثر فكري أو وجداني يستمر بعد انطفاء الأضواء . وقدرته على تشكيل تساؤلات كثيرة حول تفاصيل العرض المسرحي .
فالمخرج المبدع ، والممثل الواعي ، والكاتب الحقيقي ، يدركون أن مهمتهم لا تنتهي عند تقديم عرض متقن ، وإنما تبدأ حين ينجحون في فتح حوار صامت مع عقل المتفرج ووجدانه . ففي المقاعد المظلمة، يُولد الجزء الأخير من العرض ، ويُكتب الفصل الذي لا يظهر في النص ، لكنه يبقى حاضراً في ذاكرة الإنسان طويلاً بعد إسدال الستار .
إعلامي ومسرحي