في ظلال المسرح
عندما يكون الوطن عرضاً مستمراً من التطور الذي لا ينتهي

عندما يكون الوطن عرضاً مستمراً من التطور الذي لا ينتهي
بقلم / أ. محمد مفرق
نعيش في وطن يحتفل بتاريخه وهو يكتب مستقبله في اللحظة نفسها. وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا تبدو المملكة العربية السعودية واقفة عند صفحة من الماضي لتستعيد ذكرى التوحيد فحسب، بل تبدو وكأنها تقف على خشبة واسعة، تمتد من ذاكرة المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – إلى مستقبل تصنع ملامحه رؤية المملكة 2030.
ستة وتسعون عاماً مرت على توحيد هذه الأرض، لكنها لم تكن سنوات من السكون؛ كانت رحلة بناء متواصلة، انتقلت فيها المملكة من مرحلة إلى أخرى، حتى أصبح الحاضر شاهداً على قدرة هذا الوطن على أن يحفظ جذوره وهو يفتح أبوابه للمستقبل.
ولهذا يأتي شعار اليوم الوطني الـ96 «عزّنا بطبعنا» متجاوزاً كونه عبارة احتفالية؛ فهو يستحضر قيماً مثل الشجاعة والرؤية والأصالة والهمّة والجود والكرم، وهي قيم تجد في مسيرة الوطن ومشهد تحوله ما يترجمها إلى واقع.
ومن بين هذه القيم تبرز الرؤية ليس باعتبارها كلمة في شعار، وإنما باعتبارها مشروعاً وطنياً أعاد تشكيل كثير من تفاصيل الحياة السعودية.
ويحكم انتمائنا وعشقنا وحبنا لهذا الوطن العظيم نؤكد أنه لم يعد المسرح في المملكة مجرد مساحة تُقام فيها العروض فقط ، ولا نشاطاً موسمياً يظهر في مناسبة ثم يخفت بانتهائها. خلال سنوات رؤية السعودية 2030، دخل المسرح مرحلة مختلفة، أصبح فيها قطاعاً ثقافياً له مؤسساته ومواهبه وإنتاجه وجمهوره واقتصاده.
وفي عام 2020 تأسست هيئة المسرح والفنون الأدائية لتطوير القطاع وتنظيمه ودعم الممارسين فيه وتشجيع الإنتاج والاستثمار، بما يعزز حضور المسرح والفنون الأدائية ضمن المشهد الثقافي الوطني. كما جاءت استراتيجية تطوير قطاع المسرح والفنون الأدائية بمبادرات تستهدف تنمية المواهب، وتطوير المحتوى، وزيادة المشاركة الجماهيرية، وبناء قطاع أكثر نضجاً واستدامة. وهنا يمكن للمسرحي السعودي أن ينظر إلى الخشبة ويقول بثقة: لقد تغير المشهد.
لم يعد المسرحي يبحث فقط عن مكان يقدم فيه عرضه؛ بل أصبح أمام مسارات للتدريب والتطوير والإنتاج، وفرص أوسع لبناء تجربة مهنية، وجمهور تتسع دائرة اهتمامه بالفنون.
وهذا بالضبط ما يحدث عندما تصل رؤيتنا الوطنية إلى الفن: يتحول الحلم من فكرة إلى مؤسسة، ومن موهبة فردية إلى قطاع، ومن تجربة محدودة إلى صناعة.
والمسرح، بطبيعته، يختصر كثيراً من ملامح التحول السعودي. ففي نصه يمكن أن نجد التاريخ، وفي سينوغرافيته الهوية، وفي تقنياته أثر التطور، وفي إنتاجه الاقتصاد الإبداعي، وفي فريقه جيلاً جديداً من الشباب، وفي جمهوره صورة لمجتمع تتسع أمامه الخيارات الثقافية والترفيهية.
لذلك لا يعود المسرح مجرد عرض يُشاهد، بل يصبح وثيقة حية للتحول.
واللافت أن هذا التحول لا يطلب من المسرح السعودي أن يتخلى عن هويته كي يصبح حديثاً؛ بل يمنحه فرصة لأن يحمل هويته إلى مساحات أوسع. فالحداثة التي تنسى جذورها تتحول إلى تقليد، أما الحداثة التي تعرف أصلها فتستطيع أن تصنع لغتها الخاصة.
والهوية السعودية في المسرح ليست مجرد علم يُرفع أو أغنية وطنية تُردد، بل يمكن أن تكون في الحكاية، واللهجة، والموسيقى، والملابس، والإضاءة ، وذاكرة المكان، وفي الإنسان السعودي الذي يقف على الخشبة ليحكي قصته بصوت يستطيع العالم أن يسمعه.
وهنا تتجلى قيمة «عزّنا بطبعنا» بصورة مختلفة؛ فالعز ليس احتفالاً عابراً، بل ممارسة يومية. شجاعة في التجربة، ورؤية في التخطيط، وأصالة في الهوية، وهمّة في الإنجاز، وجود وكرم في منح المواهب فرصتها.
وفي عام 2026، تواصل هيئة المسرح والفنون الأدائية برامجها لتطوير الممارسين، ومن بينها برنامج «من الفكرة إلى الخشبة» الذي يجمع مجالات الكتابة والإخراج والتمثيل والدراماتورجيا والنقد والإدارة والتقنيات المسرحية، وصولاً إلى تجربة إنتاجية متكاملة، إلى جانب برامج تستهدف الأطفال والناشئة.
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة أمام حجم التحول الوطني، لكنها في الحقيقة تصنع المستقبل؛ وتنهض بالمسرح والإنسان.
كل طفل يكتشف موهبته، وكل شاب يتعلم الكتابة أو الإخراج، وكل فنان يجد مساحة للتجربة، وكل تقني يطور أدواته، هو جزء من بناء المشهد المسرحي السعودي.
في اليوم الوطني السادس والتسعين، لا أرى المسرح السعودي واقفاً خارج المشهد الوطني يصفق للمنجز، بل أراه جزءاً من المنجز نفسه فظهرت فرص جديدة، وأصبح الفن جزءاً من الحديث عن جودة الحياة والثقافة والاقتصاد والهوية.
وما يحدث في المسرح ليس قصة منفصلة عن قصة الوطن؛ إنه فصل من فصول الوطن يشعرنا كسعوديين بالفخر والعزة .
وحتى يمكننا قياس حجم التغيير يمكننا القول إن الاجتهادات الفردية تحولت إلى منظومة مؤسسية، ومن مواهب تبحث عن فرصة إلى طاقات تجد مسارات للتدريب والتطوير والاحتراف، ومن حكايات محلية تُروى في نطاق محدود إلى حقيقة تقول إن صوت المسرح السعودي وصل إلى مسارح العالم. وتلك ليست مجرد رحلة مسرح.
بل هي صورة مصغرة من رحلة وطن.
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا تبدو الستارة على وشك الارتفاع؛ فالستارة ارتفعت بالفعل، والمشهد مستمر، والخشبة تتسع، والنص يتجدد، وجيل جديد يدخل إلى الخشبة حاملاً أدواته وأحلامه.
أما الوطن، ذلك البطل الكبير الذي لا يمكن أن يؤدي دوره ممثل واحد، فقد أثبت أن أعظم العروض ليست تلك التي تنتهي عند التصفيق، بل تلك التي تجعل الجمهور يغادر وهو يشعر أن المشهد القادم سيكون أجمل.
وهكذا تبدو المملكة في عامها الوطني السادس والتسعين: وطنٌ يعرف جذوره، يرى مستقبله، ويكتب فصوله بثقة.
وإذا كان المسرح هو الفن الذي يحوّل الحكاية إلى حياة أمام أعيننا، فإن المملكة اليوم لا تكتفي برواية حكاية مجدها . إنها تعيشها، وتبني فصول النجاحات القادمة على مرأى من العالم.
دام عزّك يا وطن، ودامت خشبتك واسعةً لكل حلم سعودي أصيل يعتز بطبعه وهويته وثقافته ومسرحه وكل جزء فيه .



