كُتاب الرأي

ويلُ للأجيال القادمة من تراث الترند

ويلُ للأجيال القادمة من تراث الترند

عبدالله بن معدي الخشرمي

يحظى التراث بتقدير كبير في ثقافة المجتمع السعودي، وتبذل وزارة الثقافة السعودية جهودا كبيرة لإشعار الجيل القادم بأهميته، ويُعدّ إكرام الضيف أبرزها باعتباره واجبا دينيا مرتبطا بالثقافة والتقاليد العريقة في المملكة العربية السعودية، وذلك لقول النبي -عليه السلام-: (مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ).

لكن ما نشاهده اليوم من عادات وتقاليد تعد اجتهادات جديدة مختلفة كل الاختلاف عن تراثنا، بل أصبح الترند طاغيا على جميع أنواع التراث، فعلى سبيل التراث لو أخذنا تراث الضيافة في الولائم الخاصة وحفلات الزواج، لوجدنا التراث تحول إلى أمر محزن بسبب التبذير والإسراف الذي أصبح علامة بارزة وكأنه التراث المنشود من الأجيال القادمة.

تأتي دعوة الضيوف أبرز العادات والتقاليد المتعلقة بتراث الضيافة في المجتمع السعودي، ونجد أن دعوة ضيف واحد أو مجموعة ضيوف في الوقت الحاضر تتطلب وقوف واصطفاف مجموعة من الراغبين في تقديم الضيافة والحلف على الضيف أو مجموعة الضيوف بعدم القيام، وأحيانا يستجيب الضيف أو مجموعة الضيوف لطلب الداعين المصطفين، وأحيانا لا يستجيبون، فهل هذه عادات وتقاليد من التراث؟!

تأتي تلبية الدعوة أيضا من أبرز العادات والتقاليد المتعلقة بتراث الضيافة والتي يمارسها الضيف في المجتمع السعودي، ولكن الترند يحضر ويطغى على التراث الذي يمارس اليوم في تلبية الدعوات، فهو يتطلب إظهار الثروات، ويميل إلى إبراز فخامة الممتلكات من سيارات وهدايا، وهذا الدخول الأسطوري للضيف يتطلب من الداعي إبراز الفخامة من أثاث وطاولات طعام وموائد طويلة، وينعكس الترند على الحضور في ملابسهم الشخصية، وكلماتهم السجعية، والاستعراض المتصنع أمام كاميرات التصوير.

تراثنا الشائع في مواقع التواصل يبرز إكرام الضيف بشكل كبير، لكنه أصبح يؤرق الجيل القادم، ففي حال عدم إكرام الضيف بحركات الترند سيشعر الضيف بالإهانة، وحقيقة تراثنا وكرمنا وضيافتنا ليست كذلك، تراثنا ليس حركات ترند للضيف والمضيف، وواجب علينا ممارسة تراثنا والحفاظ عليه وتمريره من خلال مواقع التواصل بأصالته ليعبر إلى الأجيال القادمة وتمارسه بكل عز وافتخار.

تراثنا يركز على الأصالة في الجود والكرم مع من عرفنا ومن لم نعرف، فعند التعرف على أناس جدد، يدعو السعودي الناس إلى بيته في مرحلة التعرف الأولى، وفي العادات والتقاليد الخاصة بالضيافة في السعودية لا يجوز دعوة شخص من الجنس الآخر دون مرافق، وإذا رغبت إحدى العائلات بدعوة أو زيارة عائلة أخرى فلا بد من إخبار الأسرة المراد دعوتها أو زيارتها.

عند الدخول إلى منزل عائلة المضيف (في الجلوس) تجلس النساء في غرفة جلوس مختلفة عن غرفة جلوس الرجال، واستقبال الضيوف يكون بتقديم القهوة العربية عند وصول الضيوف في فنجان صغير من دلال مُذهَّبة، وتُمسك الدلة باليد اليُسرى، في حين يُقدّم فنجان القهوة للضيف باليد اليُمنى، ويجب أن لا يتجاوز مقدار القهوة ثلث الفنجان، وتُقدّم القهوة للضيف أولا، ثم تُقدّم لمن يجلس على يمينه، ويُقدّم التمر ذو الجودة العالية مع القهوة، ويُراعى فيه أن يكون مفرقا عن بعضه، وغالبا ما تُستبدل النواة بحشوة من المكسرات.

يُعدّ قبول الضيافة المقدَّمة دليلا على قبول الصداقة وليس على قبول الاستعراض، ويعد الوقت الذي يسبق تناول الطعام هو الوقت المخصص للتواصل والحديث، ويستمر المضيفون في إعادة ملء أكواب الضيوف، حتى يشير الضيف بأنه قد اكتفى من خلال تغطية الكوب بيده، أو هز الفنجان، ويُعدّون لضيوفهم طعاما أكثر مما يُمكن للضيوف تناوله دون إسراف وتبذير ولا كاميرات وتصوير، ويُصر الداعون على الضيوف بتناول المزيد من الطعام، ويُحبّذ أن يتناول الضيف من جميع الأصناف المعروضة كإشارة على تقديره لجهد الأسرة كاملة في إكرامه.

يُقدّم الطعام للضيوف على الأرض، أو على الطاولة، وعند الجلوس على الطاولة، يجلس الضيف بجانب رب الأسرة، وعادة ما يجلس الضيف الأكثر تكريما على رأس الطاولة، ولا يُحبّذ بدء تناول الطعام حتى يبدأ الشخص الأكبر سنا، وعادة ما يقول (بسم الله) ثم يبدأ الجميع، ولا يتطلّب طعام الضيف استخدام أواني كثيرة، وعادة ما يأكل بيده اليُمنى، ويتبع تناول الوجبة الرئيسية تقديم الشاي أو القهوة، وبعض الحلويات، ويُغادر الضيوف بمجرد الانتهاء من تناول الطعام، ولا بدّ من شكر الله ثم المُضيف قبل النهوض عن الطعام، تراث بسيط وعميق ومليء بالأجر والبركة.

كاتب رأي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.