حين يصبح التصحيح ضرورة

حين يصبح التصحيح ضرورة
الشنفرى انموذجًا
عبدالله بن معدي الخشرمي
تجنيب السردية يعني إبعاد النص أو القصة عن التقرير المباشر ،يهدف هذا الأسلوب إلى تركيز الكاتب على بناء العوالم الدلالية المعقدة للنص أو القصة دون فرض أيديولوجيا أو وعظ على القارئ ،وهذا تمامًا ما فعلته في ملتقى الشنفرى عندما قدمت ورقة علمية في جلسة الحوار كان عنوانها : لماذا نتعلم لامية العرب؟!.
يقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته (لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ) وهذا البيت الشعري كان هو الأساس الذي بنيت عليه الورقة العلمية ،فبادرت فورًا بالتركيز المباشر على لسان الفتى وفؤاده بسؤالين :ماذا يقول في لاميته؟ ولماذا قال لاميته؟ وجنبت الشنفرى سردية صورة اللحم والدم ،أو بمعنى أصح سردية لماذا تصعلك؟ وكيف تصعلك؟
قلت للحضور : عندما جنبت السرديات حول لامية العرب ظهر لي الشنفرى ساطعًا في يقيني كالشمس في كبد السماء ،لم أره صعلوكًا بل رأيته ترمب ،فضحك الجميع تحت تأثير الدهشة وبدأت المداخلات ،هناك من قال بل هو الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون كاتب وثيقة الاستقلال ،وقال قائل بل هو الرئيس البرازيلي لويس داسيلفيا ،وقد كان غرض الجميع من المداخلات واحد وهو تجديد سردية مقنعة للامية العرب وشاعرها الشنفرى.
يمثل الشعر في العصر الجاهلي ديوان العرب وسجل حياتهم ،وكانت له وظائف اجتماعية وقبلية وسياسية كبرى جعلت للشاعر مكانة عظيمة تشبه مكانة القائد أو المتحدث الرسمي باسم القبيلة ،كان وظيفة إعلامية وتوثيقية لحفظ أنساب القبائل وأيامها ووقائعها وحروبها ،وسجل تاريخي لنقل أخبارهم ومعارفهم وحكمهم لعدم توفر تدوين كتابي ،فكان بمثابة الوثيقة التاريخية ،وله وظيفة دفاعية وسياسية (كحماية القبيلة) فإذا نبغ في القبيلة شاعر ،أقرت لها بقية القبائل بالسيادة والمكانة.
والسؤال كيف نقنع الأجيال القادمة أن الشنفرى حكيمًا في عصر الجاهلية الذي سبق بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ،لم يكن فيه كتاب محفوظ ولا شريعة إسلامية عامة لأهل الجزيرة العربية ،جاهلية ليس لديها حضارة نص ،ليس لديها إلا الشعر ،كيف نقنعهم أنه صاحب لامية تعلم الحكمة والآداب ،وتمجد التواضع والأخلاق ،لكنه قرر أن يتصعلك ليلقيها أمام ثلاثة من الصعاليك.!!
ننتظر من الكتاب إنصاف هذا الشاعر الماهر والبليغ الساحر الذي كتب لامية فريدة في زمن جاهلية أمية تتفاخر بالشعر،وأنتج منظومة من القيم الأخلاقية والإنسانية عاشت لأكثر من 1700 عام ،ونذكرهم بقوله تعالى (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) صدق الله العظيم.
كاتب رأي