كُتاب الرأي

الحرب المالية على النظام الإيراني.. ماذا بعد؟

الحرب المالية على النظام الإيراني.. ماذا بعد؟

رؤية تحليلية

الثلاثاء الموافق ( 25 ) أغسطس 2026م

كتبه اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية.

{ أخطر مراحل الحصار ليست عندما تنقص الأموال بل عندما تبدأ الدولة في دفع ثمن خياراتها السابقة من قدرتها على تمويل حاضرها ومستقبلها. }

دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة مختلفة من المواجهة بعدما انتقلت الولايات المتحدة من العقوبات المتراكمة إلى حرب مالية أوسع تستهدف تضييق مصادر الإيرادات والتجارة والوصول إلى النظام المالي العالمي. وما أعلنته واشنطن في الرابع والعشرين من أغسطس لا يبدو مجرد إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات بقدر ما يمثل محاولة لضرب خمسة شرايين حيوية تشمل الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري بالتوازي مع الضغط على النفط وشبكات التمويل والنقل والتأمين.

والأكثر أهمية أن الاقتصاد الإيراني يواجه هذه الضغوط قبل ظهور الآثار الكاملة لأي توسع لاحق في العقوبات الثانوية على المؤسسات والشركاء التجاريين وهو ما يعني أن مستويات الضغط الحالية قد لا تمثل ذروتها بعد.

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس كم عقوبة فرضت على إيران بل ماذا يمكن أن تنتجه هذه الحرب المالية إذا استمرت أشهرا أو سنوات؟

1. الاقتصاد أمام استنزاف مركب.

تأتي العقوبات الجديدة في توقيت أكثر صعوبة من مراحل العقوبات السابقة. فإيران خرجت من أشهر من الحرب بينما تواجه عملتها ضغوطا غير مسبوقة وتضخما مرتفعا وتراجعا في القدرة الشرائية وصعوبات متزايدة في تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية.

وهذه العناصر لا تعمل منفصلة. فتراجع الإيرادات النفطية يقلل تدفق العملات الأجنبية وتراجع العملة يرفع كلفة الاستيراد وارتفاع الأسعار يضغط على المواطن والموازنة ثم تحتاج الحكومة إلى موارد إضافية لتمويل الدعم والأجور والخدمات. ومع استمرار هذه الدورة يتحول الضغط الخارجي إلى استنزاف داخلي متراكم.

2. مليونا ريال للدولار.. ماذا يقول الرقم؟

تجاوز الدولار في السوق حاجز مليوني ريال إيراني ووصل إلى نحو ( 2.02 ) مليون ريال بينما كان سعر الصرف الرسمي عام ( 1979 ) في حدود ( 70 ) ريالا للدولار في أواخر عهد الشاه وبدايات قيام النظام الحالي.

وبحساب عدد الريالات المطلوبة لشراء الدولار فإن الفارق يقترب من ( 29 ) ألف ضعف خلال ( 47 ) عاما. وهذه المقارنة لا تعني أن العقوبات وحدها صنعت هذا التراجع فإيران مرت بأنظمة متعددة لسعر الصرف وظروف اقتصادية مختلفة لكنها تكشف المسافة الهائلة التي قطعتها العملة الإيرانية في الاتجاه المعاكس.

والنظام الإيراني يتحمل نصيبه الأساسي من مسؤولية النتيجة. فإيران ليست دولة فقيرة في مواردها بل تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز وموقعا جغرافيا استثنائيا وقاعدة بشرية وصناعية كبيرة. لكن عقودا من السياسات الهجومية والمواجهات والعزلة والإنفاق العسكري وتمويل الجماعات ( الإرهابية ) المسلحة المرتبطة به إلى جانب الاختلالات الاقتصادية المتراكمة جعلت جزءا كبيرا من هذه المقومات عاجزا عن التحول إلى رخاء اقتصادي يلمسه المواطن الإيراني.

3. النفط.. المشكلة ليست في وجوده بل في بيعه.

يبقى النفط أحد أهم مصادر العملات الأجنبية لطهران. ولذلك فإن جوهر الحرب المالية لا يتمثل في منع إيران من إنتاج النفط بقدر ما يتمثل في جعل بيعه ونقله وتأمينه والحصول على عائداته أكثر صعوبة.

وتكشف أحدث بيانات تتبع السفن حجم الضغط. فقد تراجعت الشحنات الإيرانية إلى الصين إلى نحو ( 534 ) ألف برميل يوميا خلال أغسطس مقارنة بنحو ( 823 ) ألفا في يوليو بينما بلغ متوسطها خلال عام ( 2025 ) نحو ( 1.4 ) مليون برميل يوميا.

وهذه الأرقام مهمة لأن الصين تمثل السوق الأهم للنفط الإيراني. فإذا استمر الاتجاه بالتزامن مع استهداف الناقلات والوسطاء والمصارف وشركات التأمين فإن المشكلة لن تكون في كمية النفط الموجودة تحت الأرض بل في القدرة على تحويله إلى إيرادات تستطيع الدولة استخدامها.

4. ماذا ينتظر الداخل الإيراني؟

السيناريو الأقرب ليس انهيارا اقتصاديا مفاجئا بل استنزافا تدريجيا قد يكون أشد تأثيرا. استمرار تراجع العملة وارتفاع الأسعار وتقلص الإيرادات يمكن أن يضغط على الأجور والاستثمار والصناعة والخدمات والدعم الحكومي والقدرة على خلق الوظائف.

وعندها تصبح الحكومة أمام مفاضلات أكثر صعوبة بين احتياجات المواطن وتمويل المؤسسات العسكرية والأمنية والمحافظة على شبكات النفوذ الخارجية.

والمواطن الإيراني الذي لا يقرر سياسة الحرب ولا العقوبات يصبح أول من يدفع الثمن في طعامه وسكنه ودوائه ومدخراته وقيمة دخله. ولذلك فإن مسؤولية النظام لا تتوقف عند إدارة الأزمة الحالية بل تمتد إلى الخيارات التي ساهمت طوال عقود في الوصول إليها.

5. عندما تنتقل الأزمة من الداخل إلى البحر.

الأشد خطورة أن النظام الإيراني يحاول نقل جزء من كلفة الضغط الاقتصادي إلى خارج حدوده. فقد أصبح مضيق هرمز أحد ميادين المواجهة من خلال القيود والتهديدات والاعتداءات على السفن ومحاولات فرض ترتيبات على حركة العبور.

وهنا لا تعود القضية خلافا إيرانيا أمريكيا فقط. فكل سفينة تتأخر وكل ناقلة تغير مسارها وكل ارتفاع في التأمين والشحن تنتقل كلفته إلى أسواق الطاقة والتجارة والمستهلكين في دول لا علاقة لها بأصل المواجهة.

6. قوس الاضطراب البحري يتسع.

لم تعد المخاطر محصورة في الخليج العربي ومضيق هرمز بل امتدت عبر بحر العرب وخليج عدن إلى مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر حيث تعرضت سفن تجارية وناقلات للتهديد والاعتداء بينما واصلت الجماعة الحوثية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني عملياتها ضد الملاحة.

وبذلك أصبحت المنطقة أمام قوس بحري مترابط من الاضطراب يمتد بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب وهما من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. ولا تتمثل الخسارة في السفن المتضررة وحدها بل في ارتفاع التأمين وتغيير المسارات وإطالة زمن الرحلات واضطراب سلاسل الإمداد وزيادة كلفة الطاقة والتجارة.

وهنا يتحمل النظام الإيراني مسؤولية سياسية واستراتيجية عن السياسات التي حولت الجماعات المسلحة المرتبطة به إلى أدوات نفوذ وضغط وعن النتائج التي ترتبت على امتداد المواجهة إلى الممرات البحرية الدولية.

7. هل يستطيع هرمز إنقاذ الاقتصاد الإيراني؟

تدل بيانات الملاحة الحديثة على مفارقة مهمة. فالتفاهم المؤقت الذي سمح بزيادة حركة النفط لم يعد المضيق إلى وضعه الطبيعي. وبلغ متوسط تدفقات الخام خلال تلك الفترة نحو ( 6.1 ) ملايين برميل يوميا مقابل قرابة ( 15 ) مليونا يوميا كان يعبرها هرمز في عام ( 2025 ).

ولا يعني ذلك أن إيران فقدت قدرتها على إحداث الضرر كما لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت تسيطر بصورة مطلقة على المضيق. لكنه يوضح الفرق بين القدرة على تهديد سفينة أو تعطيل الملاحة لفترة محدودة وبين القدرة على إغلاق أحد أهم الممرات البحرية في العالم بصورة مستدامة.

وقد تتحول ورقة هرمز مع الوقت من مصدر قوة إلى عبء إضافي إذا أدت ممارسات طهران إلى مزيد من العزلة والعقوبات والوجود العسكري المقابل .

8. الصين.. الرئة التي ستحدد سرعة الاستنزاف .

تبقى الصين العامل الخارجي الأكثر أهمية في قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود . فاستمرار شراء النفط يمنح طهران موردا حيويا للعملات الأجنبية بينما يمثل نجاح واشنطن في رفع كلفة هذه التجارة على المصافي والوسطاء وشركات النقل ضربة مباشرة لقدرة إيران على تمويل احتياجاتها.

ولهذا لن يقاس نجاح الحرب المالية بعدد العقوبات المعلنة بل بمقدار ما تستطيع واشنطن فعليا تقليص الإيرادات التي تصل إلى طهران دون تحويل المواجهة إلى صدام اقتصادي أكبر مع بكين .

الخلاصة الاستراتيجية .

الحرب المالية لن تسقط الاقتصاد الإيراني غدا لكنها إذا استمرت تستطيع أن تجعل كل شهر قادم أكثر كلفة من سابقه. ومع تراجع العملة وضيق الإيرادات وارتفاع الأسعار تصبح قدرة النظام على تمويل الداخل والحرب والنفوذ الخارجي في وقت واحد أكثر صعوبة.

وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن النظام الإيراني يواجه اليوم كلفة تراكمية لخيارات سياسية واقتصادية وعسكرية امتدت عقودا بينما يتحمل المواطن الإيراني والمنطقة والملاحة الدولية جانبا متزايدا من نتائجها .

لكن الضغط الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن الخطر سيتراجع بالمقدار نفسه. فقد يحدث العكس عندما يشعر النظام بأن الوقت والموارد والخيارات تضيق أمامه .

وهنا تكمن المرحلة الأخطر: فكلما ضاقت قدرة الاقتصاد الإيراني على تمويل سياسات النظام ضاقت خياراته معها وقد يصبح السؤال عندئذ ليس متى يبلغ الاستنزاف مداه بل هل يختار النظام تغيير سياساته أم يحاول تصدير أزمته إلى المنطقة بمغامرة جديدة ؟.

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.