كُتاب الرأي

حين يصبح الوقت سلاحا استراتيجيا .

حين يصبح الوقت سلاحا استراتيجيا .

رؤية تحليلية .

الجمعة الموافق (21) أغسطس 2026م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

{ ليست كل الأسلحة مما يطلق في ميادين القتال؛ فقد يصبح الزمن نفسه سلاحا حين يعرف طرف كيف يستثمره في بناء القوة والنفوذ بينما تتراكم نتائج ذلك خارج حدوده . }

تكشف الصراعات الممتدة أن الزمن ليس مساحة محايدة بين أزمة وأخرى؛ بل مورد استراتيجي يمكن تحويله إلى قوة عسكرية ونفوذ سياسي وقدرة تفاوضية. وكل عام يمر على صراع غير محسوم قد يصبح عاما إضافيا لتطوير ترسانة أو تقنية أو شبكة نفوذ أو وسيلة ضغط جديدة .

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة النظام الإيراني منذ عام 1979م. فالمسألة ليست في عدد السنوات التي مرت بقدر ما هي فيما وضعه النظام داخل تلك السنوات وكيف استخدمها لبناء عناصر قوة متعددة تجاوز بعضها مفهوم الدفاع عن الدولة إلى محاولة التأثير في محيطها الإقليمي .

أولا: الزمن وبناء القوة المركبة .

اعتمد النظام الإيراني على تراكم طويل ومتعدد المسارات؛ برنامج صاروخي تطور على مراحل ومسيرات أصبحت أكثر تنوعا ومدى وقدرات بحرية غير متماثلة وبرنامج نووي ظل موضع نزاع دولي وشبكات وجماعات و ميليشيات و عصابات مسلحة خارج الحدود أصبحت إحدى أدوات السياسة والنفوذ .

هذه العناصر لم تظهر دفعة واحدة؛ بل تشكلت طبقة فوق أخرى حتى أصبحت معالجتها مجتمعة أكثر تعقيدا من التعامل مع أي منها منفردة .

وهذه إحدى حقائق الزمن الاستراتيجي؛ فما لا تستطيع الدولة بناءه خلال سنة قد تبنيه بالتراكم خلال عقود .

ثانيا: عندما تحول النفوذ إلى أذرع خارج الحدود .

لم يبق جانب مهم من مشروع القوة الإيراني داخل الحدود. فقد بنت طهران عبر مراحل مختلفة علاقات عسكرية وأمنية ومالية مع جماعات مسلحة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وساحات أخرى، وأصبح لبعض تلك الجماعات سلاح وقدرات عسكرية خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة الوطنية .

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يقدم اليمن شاهدا رقميا موثقا على حجم ما يمكن أن يتراكم خلف هذا النوع من النفوذ. فقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن ضبط شحنة في يونيو 2025م كانت معدة لاستخدام الحوثيين واشتملت على صواريخ متقدمة وذخائر ومعدات عسكرية، مع وجود أسلحة تحمل خصائص مماثلة لأسلحة مصنعة في إيران .

{ أكثر من (750) طنا من الذخائر والمعدات ضُبطت في شحنة واحدة كانت معدة لاستخدام الحوثيين في يونيو 2025م، وفقا لتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن . }

ولا تقف الدلالة الاستراتيجية لهذا الرقم عند وزن الشحنة؛ بل فيما يكشفه عن تراكم القدرة ونقل التقنية والتسليح وبناء قدرات جماعات مسلحة خارج الحدود بما يسمح بانتقال آثار الصراع بين أكثر من ساحة .

ثالثا: عندما يراكم الخطأ نفسه .

تكمن خطورة السياسات الممتدة لعقود في أن نجاح التكتيك مؤقتا قد يقنع صاحبه بصحة الاستراتيجية كلها .

فإذا حققت أداة مسلحة مكسبا في ساحة معينة فقد يغري ذلك بتكرار النموذج في ساحة أخرى، وإذا مر تجاوز دون تكلفة كافية فقد يقرأ باعتباره مساحة إضافية للحركة .

وهكذا يمكن للزمن أن يتحول من فرصة للمراجعة إلى وسيلة لترسيخ الخطأ .

وما شهدته المنطقة خلال عام 2026م وضع هذه المعادلة أمام اختبار مختلف. فامتداد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة بالصواريخ والمسيرات إلى دول خليجية لم تكن طرفا في بدء الحرب كشف خللا استراتيجيا في حسابات النظام الإيراني حين وسع دائرة اعتداءاته إلى دول اختارت منذ البداية خفض التصعيد وعدم الانخراط في الحرب .

وقد أكدت البيانات الخليجية الرسمية أن الاعتداءات الإيرانية المستمرة منذ 28 فبراير طالت الأراضي والمواطنين والبنية التحتية المدنية، وشملت منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه والموانئ والمطارات وغيرها من الأعيان المدنية، مع التأكيد على الحق في الدفاع عن النفس فرديا وجماعيا وفقا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة .

فالاعتداء على أراضي الدول ومواطنيها ومنشآتها ومطاراتها وسفنها التجارية لا يصنع شرعية ولا يغير حقائق الجغرافيا؛ بل يرتب مسؤوليات سياسية وقانونية على من يرتكبه .

رابعا: المملكة والخليج… الزمن في صناعة القوة والتنمية .

بينما كان النظام الإيراني يراكم أدوات القوة العسكرية والنفوذ الخارجي، كانت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تبني مسارا مختلفا .

استثمرت المملكة ودول الخليج عقودا في بناء الدولة والإنسان والاقتصاد والقوات المسلحة ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري والتقنية والبنية التحتية والموانئ والمطارات والصناعة والطاقة والشراكات الدولية .

وتشهد منجزات المملكة العربية السعودية ودول الخليج على المسار الذي اختارته؛ فالمدن والموانئ والمطارات والجامعات والمشروعات والصناعات والاقتصادات المتنامية شواهد قوة وتنمية لا تحتاج إلى خطاب يسبقها .

والدبلوماسية السعودية والخليجية الهادئة لا تعني التردد في حماية الأمن الوطني؛ فخفض التصعيد ومنع اتساع الحروب خيار سياسي مسؤول تمارسه دول واثقة من قدراتها؛ تجمع بين الدبلوماسية الهادئة والجاهزية للدفاع عن السيادة والأمن والمصالح الوطنية .

خامسا: تراكم القوة الإيرانية التقليدية استدعى قوة تقابلها .

وعلى سبيل المثال لا الحصر، أعلن الأمين العام لمجلس التعاون في 10 يونيو 2026م رقما يكشف في جانبيه معا حجم الاعتداء الإيراني وحجم القدرة الخليجية التي واجهته .

{ بحلول (10) يونيو 2026م كانت القوات المسلحة الباسلة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد تصدت لأكثر من (7000) صاروخ باليستي وطائرة مسيرة أطلقتها إيران باتجاه دول المجلس، وفقا لما أعلنته الأمانة العامة لمجلس التعاون . }

هذا الرقم لا يحتاج إلى كثير من الوصف؛ فأكثر من سبعة آلاف صاروخ ومسيرة تكشف حجم القوة التقليدية التي راكمها النظام الإيراني، لكنها تكشف في المقابل حقيقة أكثر رسوخا؛ وهي جاهزية القوات المسلحة الخليجية وقدرتها على مواجهة هذا الحجم الكبير من الاعتداءات وحماية الأرواح والمنشآت والمقدرات الحيوية .

ولم تمنح كثافة الصواريخ والمسيرات والقدرات البحرية وأذرع النظام الإيراني والجماعات المسلحة المرتبطة به طهران حرية فرض إرادتها؛ بل قابلتها منظومات دفاع وإنذار ومراقبة وتعاون أمني وعسكري وحماية للمنشآت والموانئ والمطارات والممرات البحرية .

فالرد على تراكم القوة يكون ببناء قوة تقابلها وتمنعها من فرض إرادتها .

سادسا: هرمز… الجغرافيا لا تتغير بالشعارات .

يظل مضيق هرمز ممرا ملاحيا بحريا طبيعيا يصل الخليج العربي بخليج عمان وما بعده إلى بحر العرب والمحيط الهندي وتعبره الملاحة الدولية .

وفي نموذج آخر لا يقل دلالة، أدانت دول مجلس التعاون في 9 يوليو 2026م الهجوم الإيراني على الناقلة السعودية «وديان» والناقلة القطرية «الركيات» أثناء عبورهما المضيق، وعدته اعتداء مرفوضا على أمن وسلامة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية. وأكد الموقف الخليجي الرسمي ضمان حرية الملاحة والعبور الآمن دون قيود ودون فرض رسوم عبور أو خدمات، ورفض أي ترتيبات أحادية غير مشروعة .

وهذه ليست مسألة سياسية عابرة؛ فالمضيق ممر ملاحي بحري طبيعي، وأمنه جزء من أمن التجارة والطاقة والملاحة الدولية .

{ فالسياسة تستطيع خلق أزمة حول الجغرافيا لكنها لا تستطيع إعادة رسم الجغرافيا نفسها . }

سابعا: القوة ليست سلاحا فقط .

كشفت حرب 2026م أن القوة الوطنية لا تقاس بعدد الصواريخ التي تمتلكها الدولة وحدها؛ بل بقدرتها على حماية الإنسان والأرض والاقتصاد واستمرار مؤسساتها وموانئها ومطاراتها وإمداداتها تحت الضغط .

وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت الأمانة العامة لمجلس التعاون قد أعلنت بحلول 10 يونيو عقد أكثر من (150) اجتماعا على المستويات الوزارية والفنية الاستثنائية للتنسيق وتبادل المعلومات وتسهيل الإجراءات وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتدفق البضائع وتكثيف التحركات الدبلوماسية .

وهنا تظهر القوة الخليجية بمعناها الأشمل ؛ قوات مسلحة باسلة تتصدى للاعتداء، ومؤسسات دولة تحافظ على الاقتصاد والإمداد، ودبلوماسية هادئة تعمل على منع اتساع دائرة الحرب .

وقد أظهرت التجربة أن امتلاك أدوات متعددة للإيذاء لا يعني امتلاك القدرة على التحكم في نتائج استخدامها. فالصاروخ يستطيع بلوغ هدفه العسكري لكنه لا يستطيع وحده تحديد النتيجة السياسية التي تبدأ بعد سقوطه، والجماعة المسلحة تستطيع فتح جبهة لكنها لا تستطيع ضمان اتجاه الحرب التي تفتحها .

وهنا يكمن الفارق بين القدرة على إحداث الفوضى والقدرة على صناعة القوة المستدامة .

ثامنا: الزمن القادم أهم من الزمن الذي مضى .

لم يعد السؤال كم استغرق بناء الأزمة؛ بل كيف ستستخدم دول المنطقة السنوات التالية لها .

المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون تمضي في بناء اقتصاداتها وقواتها وقدراتها التقنية وشراكاتها الدولية مع المحافظة على دبلوماسية هادئة تسعى إلى الاستقرار ولا تتخلى عن مقتضيات الدفاع عن الأمن والسيادة .

أما النظام الإيراني فأمامه سؤال مختلف تماما: هل يستمر في قياس نفوذه بعدد الصواريخ والجماعات المسلحة والساحات التي يستطيع الوصول إليها، أم يعيد توجيه موارد إيران نحو شعبها واقتصادها وتنميتها وعلاقات طبيعية مع جيرانه؟

لقد مضى من الزمن ما يكفي لاختبار الطريق الأول .

الخلاصة الاستراتيجية .

قيمة الزمن ليست في عدد السنوات التي يمنحها للدول بل فيما تضعه الدول داخل تلك السنوات .

وهكذا لا تأتي الأرقام في هذا السياق للتعداد؛ بل لتكشف ماذا صنع كل طرف بالزمن الذي امتلكه. فهناك من استثمره في تراكم أدوات القوة والنفوذ خارج حدوده، وهناك من استثمره في الإنسان والدولة والاقتصاد والقوة الوطنية والقدرة على حماية مكتسباته .

وتتقاطع هنا حكمة التاريخ مع منطق الاستراتيجية؛ فالزمن يجدد موازين القوة، والاستخدام الهجومي للقوة يستدعي قوة تقابله، والسلام الذي لا تحرسه القدرة ولا تسنده السياسة يبقى معرضا للاختبار .

{ الزمن لا يصنع القوة من تلقاء نفسه؛ بل تصنعها الخيارات التي تتخذ خلاله . }

ومن يستثمر سنواته في الإنسان والدولة والتنمية والقوة الوطنية يبني مستقبله بيده؛ أما من يبددها في توسيع ساحات الصراع فسيجد أن الزمن الذي ظنه يعمل لمصلحته كان يمنح الآخرين في الوقت نفسه فرصة لبناء القوة التي تقابله وتردعه؛ وعندها يصبح الزمن نفسه جزءا من ميزان القوة .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.