كُتاب الرأي

*النظام الإيراني قد يباغت بالهجوم.*

*النظام الإيراني قد يباغت بالهجوم.*

*رؤية تحليلية للكاتب من خلال المصادر الإعلامية المفتوحة*.

*الثلاثاء الموافق (11) أغسطس 2026م.*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

*{ أخطر لحظات الصراع ليست دائما عندما يريد أحد الطرفين الحرب بل عندما يعتقد أن الانتظار سيجعل الحرب القادمة أسوأ عليه. }*

تتجمع حول النظام الإيراني في هذه المرحلة مؤشرات تجعل احتمال المبادرة الإيرانية بعمل عسكري جديد فرضية تستحق القراءة الجادة. وهذا لا يعني أن طهران اتخذت قرار الهجوم أو أن الحرب باتت وشيكة بل يعني أن البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بالنظام أصبحت أكثر تعقيدا وأن حسابات الوقت قد تتحول تدريجيا من عامل يساعد على تجنب المواجهة إلى عامل ضغط على صانع القرار الإيراني.

وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن طهران تواجه معادلة صعبة. استمرار الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية من جهة واستمرار الاستعداد العسكري الأمريكي وإمكان تجدد العمليات من جهة أخرى مع بقاء مضيق هرمز في قلب المواجهة يجعل القيادة الإيرانية أمام خيارات تضيق كلما طال أمد الأزمة دون تسوية مستقرة.

وتزداد أهمية هذا التقدير مع إعادة ترتيب بعض مواقع صناعة القرار الأمني الإيراني. فالتغييرات داخل المؤسسات العليا المسؤولة عن الأمن القومي في توقيت بالغ الحساسية لا تعني بذاتها انتقال إيران إلى قرار الحرب لكنها تدخل ضمن المؤشرات التي ينبغي قراءتها إلى جانب التحركات العسكرية والمواقف السياسية وشبكة الأذرع الإرهابية المسلحة التابعة للنظام الإيراني في المنطقة.

أما مضيق هرمز فيبقى أخطر نقاط الاحتكاك. فالمضيق ليس مجرد ممر للطاقة والتجارة الدولية بل أصبح جزءا من معادلة الضغط المتبادل. وأي محاولة لاستخدام الملاحة أو صادرات الطاقة أداة سياسية أو عسكرية قد تنقل الأزمة بسرعة من مستوى التهديد والضغط إلى مستوى الاحتكاك المباشر. ولهذا فإن استمرار الخلاف حول هرمز يرفع مخاطر سوء التقدير حتى لو لم يكن أي طرف قد اتخذ قرار الحرب الشاملة.

وفي الاتجاه المقابل تستمر الولايات المتحدة في الاحتفاظ بقدرات عسكرية تسمح لها بالتحرك إذا اتخذ القرار السياسي بذلك. وهذه نقطة مركزية في قراءة المشهد لأن وجود القوة والاستعداد لا يعني بالضرورة صدور قرار باستخدامهما. ويظل القرار السياسي الأمريكي والمتغيرات الميدانية عاملين حاسمين في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.

ويظهر في العراق مؤشر آخر يستحق التوقف عنده. فقد جاءت زيارة قائد فيلق القدس / إسماعيل قاآني إلى بغداد في توقيت شديد الحساسية وسط اتصالات واجتماعات مع قيادات سياسية وقيادات في الفصائل الإرهابية المسلحة المرتبطة بطهران. وتكتسب الزيارة أهميتها من موقع فيلق القدس داخل منظومة النفوذ الإيراني وعلاقاته الممتدة مع الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران.

وتزداد دلالة الزيارة مع وجود مؤشرات على تنامي التنسيق بين الحرس الثوري الإيراني والفصائل الإرهابية المسلحة في العراق والحوثيين الإرهابيين. ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع وجود تمثيل حوثي في العراق يتقدمه المدعو / أحمد الشرفي ممثل الحوثيين في بغداد وما يعكسه ذلك من قنوات اتصال قائمة بين الجماعة والقوى والفصائل المرتبطة بالنظام الإيراني. ولا تتوافر حتى هذه الساعة معلومات موثوقة تؤكد أن قاآني اجتمع خلال زيارته الحالية بأحمد الشرفي أو بقيادات حوثية أخرى بصورة مباشرة.

غير أن مجيء زيارة قاآني في هذا التوقيت ووجود التمثيل الحوثي والعلاقات الوثيقة بين الحوثيين والفصائل العراقية والحرس الثوري الإيراني يجعل بغداد إحدى الساحات المهمة التي تتقاطع فيها شبكة الأذرع الإرهابية المسلحة المرتبطة بطهران وتتداخل فيها حسابات الجبهتين العراقية واليمنية.

*{ وفي حسابات الصراع لا تقتصر أهمية الأذرع الإرهابية المسلحة على استخدامها بل تشمل القدرة على ضبطها وتحديد لحظة تحركها. }*

وقد يكون تحرك قاآني جزءا من محاولة لضبط الفصائل ومنع عمل منفرد يجر النظام الإيراني إلى مواجهة في توقيت لا يريده. وقد يكون في الاتجاه الآخر جزءا من المحافظة على جاهزية شبكة الأذرع وإبقائها ضمن الخيارات المتاحة إذا قررت طهران الانتقال من إدارة الضغط إلى التصعيد العسكري. ولا يمكن الجزم بأي من الاحتمالين لكن كليهما يجعل إدارة هذه الأذرع عاملا مهما في قراءة الأزمة الحالية.

والعامل الأكثر خطورة أن النظام الإيراني لا ينظر بالضرورة إلى الزمن بالطريقة نفسها التي ينظر بها خصومه إليه. فإذا توصلت القيادة الإيرانية إلى قناعة بأن قدراتها العسكرية ستصبح أكثر عرضة للاستهداف مع مرور الوقت أو أن خصومها يستكملون استعداداتهم أو أن شبكة أذرعها تتعرض تدريجيا للضغط والتفكيك فقد تتغير معادلة القرار لديها.

وعندها قد تصبح المبادرة العسكرية في الحساب الإيراني المحتمل محاولة لتغيير شروط المواجهة قبل أن تتحول بصورة أكبر لمصلحة خصومه.

وهذا الاحتمال لا يعني بالضرورة حربا تقليدية واسعة. فقد تبدأ المبادرة بعمل محدود ومحسوب أو هجوم عبر إحدى الأذرع أو أكثر أو استهداف بحري أو محاولة للتأثير في حركة الملاحة والطاقة أو سلسلة عمليات متزامنة موزعة على أكثر من ساحة بهدف تشتيت الاستجابة ورفع كلفة الرد.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالعمل الذي يبدأ محدودا قد لا يبقى محدودا. وإذا أدى إلى خسائر كبيرة أو أصاب هدفا استراتيجيا أو هدد الملاحة والطاقة فقد تصبح قدرة الأطراف على احتواء التصعيد أقل مما كانت عليه قبل إطلاق الضربة الأولى.

ومن منظور الأمن الإقليمي والدولي فإن التعامل مع هذه المرحلة يستدعي استمرار أعلى درجات الجاهزية والاستعداد لحماية المجالات الجوية والمنشآت الحيوية ومرافق الطاقة والموانئ ومراكز القيادة والاتصالات بالتوازي مع رفع مستويات اليقظة والمراقبة البحرية لحماية الملاحة الدولية وسلامة السفن وخطوط الإمداد عبر الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب وخليج عدن وباب المندب وجنوب البحر الأحمر مع المحافظة في الوقت نفسه على جهود خفض التصعيد ودعم الأمن والاستقرار ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع لا تخدم مصالح شعوبها ولا الأمن والسلم الدوليين.

وتقع على النظام الإيراني مسؤولية مباشرة عن جانب كبير من هذا المشهد المضطرب. فمنذ عقود اختار بناء نفوذه خارج حدوده عبر تمويل وتسليح وتدريب جماعات مسلحة مرتبطة به وتحويل أراضي دول عربية إلى ساحات للصراع والضغط وتصفية الحسابات. وكانت النتيجة استنزاف دول وشعوب وتعريض المدنيين والمنشآت الحيوية ومرافق الطاقة والممرات البحرية الدولية للخطر بدلا من توجيه موارد المنطقة نحو التنمية والاستقرار.

ولا يمكن إعفاء الأذرع الإرهابية المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني من مسؤوليتها المباشرة. فالحوثيون الإرهابيون والفصائل الإرهابية المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة في العراق وغيرها من الجماعات المرتبطة بطهران لم تعد مجرد أدوات نفوذ محلية بل أصبحت جزءا من شبكة تهديد عابرة للحدود تستطيع فتح أكثر من جبهة وتهديد المدنيين والمنشآت الحيوية والملاحة الدولية والطاقة والتجارة العالمية.

والأشد خطورة أن استخدام هذه الأذرع يمنح النظام الإيراني مساحة للمناورة بين التهديد ومحاولة التنصل من نتائجه. غير أن المسؤولية السياسية والاستراتيجية لا تختفي خلف الوكلاء. فالجهة التي تبني شبكة مسلحة وتمولها وتسلحها وتدربها وتدعم قدراتها لا تستطيع أن تتعامل مع نتائج أفعالها وكأنها أحداث منفصلة عن السياسة التي صنعت هذه الشبكة وأبقتها قادرة على العمل .

*{ ولا يجوز أن تدفع شعوب المنطقة ثمن سياسة تقوم على تحويل الدول إلى ساحات والأذرع الإرهابية المسلحة إلى أدوات والممرات البحرية إلى أوراق ضغط. }*

ومن هنا فإن حماية أمن المنطقة لا تتطلب اليقظة العسكرية وحدها بل تتطلب موقفا دوليا أكثر حزما تجاه كل جماعة مسلحة تهدد سلطة الدول أو تستهدف المدنيين أو تعرض الملاحة الدولية للخطر وتجاه كل جهة توفر لها السلاح والتمويل والتدريب والدعم. والمسؤولية هنا تقع على النظام الإيراني وسياساته وأذرعه الإرهابية المسلحة وليس على الشعب الإيراني الذي لا ينبغي تحميله تبعات خيارات النظام ومغامراته الإقليمية.

*التقدير الاستراتيجي.*

وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن احتمال المبادرة الإيرانية بالهجوم أصبح فرضية ينبغي وضعها ضمن السيناريوهات الجدية من دون الجزم بأنها الخيار الذي ستتبناه طهران. فإعادة ترتيب بعض مواقع القرار الأمني واستمرار أزمة مضيق هرمز وتحركات قاآني في بغداد وإدارة شبكة الأذرع الإرهابية المسلحة واستمرار الاستعداد العسكري المقابل ترسم مجتمعة بيئة أكثر حساسية أمام أي خطأ في الحسابات.

*{ تعاظم مؤشرات الاستعداد لا يعني أن قرار الهجوم قد اتخذ لكنه يرفع أهمية مراقبة اللحظة التي قد يتحول فيها الانتظار في حسابات النظام الإيراني من خيار لتجنب الحرب إلى مخاطرة يعتقد أنها تزيد كلفة الحرب المقبلة. }*

وعند تلك النقطة تحديدا قد تصبح المبادرة بالنسبة إلى النظام الإيراني خيارا يراه أقل خطرا من الانتظار. ومع ذلك لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة تسمح بالقول إن قرار المبادرة العسكرية قد اتخذ بالفعل.

ويظل القرار السياسي الأمريكي والمتغيرات الميدانية وسلوك النظام الإيراني وأذرعه الإرهابية المسلحة هي العوامل الحاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من المواجهة أم أن الردع والاتصالات السياسية سيتمكنان مرة أخرى من إبقاء السلاح في موضع الاستعداد دون إطلاقه .

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.