كُتاب الرأي

المملكة العربية السعودية

المملكة العربية السعودية

من القوة الإقليمية إلى محور ارتكاز عالمي

تحليل في القوى الناعمة والخشنة

د. عصام يحيى الفيلالي

عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

لم يعد مفهوم القوة حكراً على الجيوش والأساطيل.
فالدولة القادرة على التأثير حقاً هي التي تُتقن الدمج بين القوتين: الخشنة التي تفرض الاحترام، والناعمة التي تكسب القلوب.
والمملكة العربية السعودية اليوم ليست مجرد دولة تمتلك مقومات القوة، بل أصبحت محور ارتكاز يتحكم في توازنات إقليمية وعالمية.
وقبل أن تكون السعودية دولة نفط أو قوة اقتصادية، هي أرض الوحي، ومهبط الرسالة، وقبلة ملياري مسلم. ومن هذه المركزية الروحية الفريدة، تنبع أعمق أشكال القوة الناعمة: قوة لا تُشترى بالمال، ولا تُفرض بالسلاح، بل تُستمد من الإيمان ذاته.
القوى الخشنة – الأساس المادي الذي لا يُتجاوز
تمتلك الرياض مقومات صلبة تجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله:
  • الاقتصاد: أكبر اقتصاد عربي وعضو مجموعة العشرين. بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.3 تريليون ريال (نحو 348 مليار دولار) في 2025، بنمو 4.5%، مع تجاوز الأنشطة غير النفطية نصف الاقتصاد لأول مرة.
  • العسكري: ضمن أكبر عشرة منفقين على الدفاع عالمياً بميزانية 83.2 مليار دولار (6.5% من الناتج). احتل الجيش المرتبة التاسعة عالمياً في 2025. ورفعت نسبة الإنتاج الدفاعي المحلي من 2% في 2016 إلى نحو 25% اليوم، بهدف الوصول إلى 50% بحلول 2030.
  • صندوق الاستثمارات العامة (PIF): تحول إلى أداة اختراق اقتصادي عالمية بأصول مُدارة بلغت 3.396 تريليون ريال (905.6 مليار دولار) بنهاية 2025، بأرباح صافية تجاوزت 65 مليار ريال. يساهم بنسبة 11% من الناتج المحلي غير النفطي، ويستثمر في الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والترفيه العالمي.
القوة الناعمة الروحية – حين تكون الجغرافيا قبلة والمكانة مرجعية
تمتلك المملكة أعظم أداة جذب روحية في التاريخ المعاصر: أرض الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم
  • مكة المكرمة: قطب الروح العالمي
فيها الكعبة المشرفة، أول بيت وُضع للناس، وإليها تتجه الصلاة، ويحج المسلمون من كل فج عميق. هذه المركزية الروحية تمنح المملكة قوة ناعمة لا تحتاج إلى إقناع؛ فهي مهمة بحكم الإيمان ذاته.
  • المدينة المنورة: قلب المسلم النابض
فيها المسجد النبوي ومسجد قباء ومسجد القبلتين، وقبر النبي ﷺ وصاحبيه. هي موضع الحنين الروحي لكل مسلم، مما يخلق ارتباطاً وجدانياً مباشراً بهذه الأرض.
  • المرجعية العلمية
جامعة أم القرى، والجامعة الإسلامية، وجامعة الإمام محمد بن سعود، وهيئة كبار العلماء، والمجمع الفقهي، ومجمع الملك سلمان للحديث النبوي – كلها مرجعيات يتبعها ملايين المسلمين. السعودية لا تجذب القلوب فقط، بل تُشكّل العقول أيضاً.
  • الحج والعمرة: دبلوماسية الأرواح
في موسم حج 1446هـ (2025)، بلغ عدد الحجاج أكثر من 1.8 مليون من أكثر من 160 دولة، بينما استقبلت المملكة أكثر من 27 مليون معتمر. هؤلاء سفراء غير رسميين يعودون بصور ومشاعر تعيد تشكيل علاقتهم بالسعودية.
  • البُعد الاستراتيجي:
· الشرعية الدينية كمظلة سياسية: لا تستطيع أي دولة ادّعاء قيادة العالم الإسلامي دون شرعية دينية، والسعودية تمتلكها بحكم رعايتها للحرمين.
  • الوساطة وقت الأزمات: من أفغانستان إلى غزة، السعودية هي الأقدر على الحديث بلسان المرجعية الدينية.
  • جذب الكفاءات: الجامعات السعودية تستقطب طلاباً من كل العالم الإسلامي يعودون حاملين للفكر المعتدل.
  • شرف خدمة ضيوف الرحمن: لا يمكن لأي مسلم أداء الحج أو العمرة دون المرور عبر منظومة سعودية.
القوى الناعمة الثقافية والرياضية والسياحية
في مؤشر القوة الناعمة العالمي 2025، حلت السعودية في المرتبة العشرين عالمياً، والثانية عربياً . وحلت في المرتبة 15 عالمياً في قيمة العلامة التجارية للدولة.
  • وفي الرياضة: لم تعد السعودية مستضيفاً فقط، بل مالك ومتحكم في البنية التحتية الرياضية العالمية. استضافة كأس العالم 2034 مشروع استراتيجي يعيد رسم مكانة المملكة لعقود. ارتفعت التغطية الإعلامية الإيجابية 25% سنوياً، وانخفضت السلبية 55% منذ 2020.
  • أعداد الزوار والسياح
بلغ عدد الزوار والسياح في عامً 2024: نحو 116 مليون سائح محلي ودولي، منهم حوالي 30 مليون سائح وافد من الخارج، وفق وزارة السياحة السعودية.
كما بلغ عدد الزوار والسياح في عامً 2025: نحو 29.3 مليون سائح دولي، ونحو 27 مليون عبر الخطوط السعودية وشركائها، مع تجاوز إجمالي الداخل والخارج 122 مليون سائح، وفق إحصاءات منظومة السياحة. [1، 2، 3]
وفي موسم الرياض 2024/2025 تجاوز عدد الزوار 16 مليون زائر حتى يناير 2025، وفق الهيئة العامة للترفيه.
رابعاً: الدبلوماسية والتعليم – استثمار في العقول
  • وفي التعليم: برامج الابتعاث إلى أفضل 30 جامعة عالمية شملت 3388 طالباً، تنتج سفراء غير رسميين. وفي المقابل تستقطب الجامعات السعودية طلاباً دوليين يبنون شبكات نخبوية تمتد لعقود.
·
  • وفي الدبلوماسية: وصفت مؤسسة تشاتام هاوس السعودية في 2025 بأنها “أكثر ثراءً وثقة وحزماً دبلوماسياً من أي وقت في تاريخها الحديث”.
فقد استضافت محادثات سلام يمنية،
ولعبت دوراً محورياً في جهود وقف الحرب على غزة، واستضافت أكبر جمعية عمومية للسياحة العالمية.
التكامل بين القوتين – لماذا السعودية محور ارتكاز؟
التفاعل بين القوتين يصنع وضعاً فريداً عبر أربعة عناصر:
  • القوة المالية كمُمكّن للقوة الناعمة: الاستثمار في الصورة يعادل الاستثمار في النفوذ.
  • القوة العسكرية كضامن للاستقرار الجاذب: تُستخدم بدفاعية واستقرارية، مما يعزز الصورة كـ”قوة مسؤولة”
  • القوة الروحية كأساس للشرعية: قوة موروثة ومتجذرة، تمنح شرعية تلقائية تحتاج إلى صيانة لا بناء.
  • الدبلوماسية كجسر بين الصلابة والجاذبية: الوساطة تمنح “رصيداً” دولياً يُترجم إلى نفوذ.
ووفق مؤشر إيدلمان للثقة 2025، احتلت المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً في الثقة بالحكومة بنسبة 87%، والأولى في التفاؤل بالمستقبل بنسبة 69%.
خاتمة: درس في تحويل الموارد إلى مكانة
ما يميز التجربة السعودية ليس حجم الموارد، بل القدرة على تحويلها إلى أدوات تأثير متعددة الأبعاد.
  • فالنفط أصبح رافعة لتنويع اقتصادي،
  • والمال يُستثمر في شراء مواقع في الاقتصاد العالمي،
  • والصورة تُبنى بالتجربة المباشرة،
  • والقوة العسكرية تُقاس بقدرة التصنيع السيادي.
وفوق كل ذلك، تظل القوة الروحية هي الأساس الذي لا يهتز.
فالسعودية ليست مجرد دولة تمتلك مقومات القوة،
بل هي الدولة التي تمتلك ما لا تمتلكه أي دولة أخرى:
إنها قلب العالم الإسلامي.
بهذا المعنى، السعودية ليست مجرد “قوة إقليمية”، ب
  • محور ارتكاز يجمع بين ما لا تجمعه معظم الدول:
  • موارد تُتيح الفعل،
  • وروح تمنح الشرعية،
  • وإرادة تُترجم الفعل إلى استراتيجية،
  • وقيادة تدرك أن القرن الحادي والعشرين لا يُحكم بالحديد وحده، بل بالحديد والروح والصورة معاً.

كاتب رأي 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.