كُتاب الرأي

من مزاحمة السوق إلى صناعة السوق

من مزاحمة السوق إلى صناعة السوق

قراءة وتعليق على مقالة م/ عبدالله الرخيص «المنافسة بين القطاع العام والخاص»

عصام يحيى الفيلالي، عضو هيئة تدريس بجامعة الملك عبدالعزيز

تتناول مقالة المهندس عبدالله الرخيص «المنافسة بين القطاع العام والخاص» قضية أساسية في مستقبل الاقتصاد السعودي، تتمثل في العلاقة بين الدور الاقتصادي للدولة ودور القطاع الخاص، خصوصًا في ظل التوسع الكبير في المشروعات والاستثمارات الحكومية.
تبدأ المقالة بالتمييز بين
تنافسية الاقتصاد الوطني، والمنافسة داخل الأسواق، وتنافسية المنشآت.
فالتنافسية لا تقاس بعدد الشركات أو حجم الإنفاق وقيمة الأصول وحدها،
بل بقدرة الاقتصاد على تحويل موارده ورأس ماله ومعرفته إلى إنتاجية أعلى، وابتكار، ووظائف نوعية، وسلع وخدمات قادرة على المنافسة محليًا ودوليًا.
ويؤكد المهندس عبدالله الرخيص أن الدولة السعودية أدت دورًا مهمًا في مرحلة التأسيس، من خلال
  • بناء البنية الأساسية،
  • ودعم القطاعات الناشئة،
  • وتسريع التنويع،
  • وتحمل مخاطر لم يكن القطاع الخاص قادرًا على تحملها منفردًا.
غير أن نجاح هذه المرحلة يقتضي الانتقال
  • من دولة تنشئ المشروعات
  • إلى دولة تنشئ الأسواق،
  • ومن مالك مباشر للأنشطة
  • إلى منظم يوسع المجال أمام الشركات المستقلة.
وتكمن الإشكالية الرئيسة في احتمال اجتماع أدوار متعددة داخل الجهة نفسها؛
فقد تكون الجهة مالكًا وممولًا ومنظمًا ومشتريًا ومخصصًا للأرض والبيانات،
ثم تدخل في منافسة مباشرة مع القطاع الخاص.
وقد يمنح ذلك الشركات العامة أو المرتبطة بها مزايا لا تتاح للمنافسين، مثل
  • التمويل الأقل تكلفة،
  • والضمانات الضمنية،
  • والوصول المبكر إلى العقود والمعلومات.
لذلك تدعو المقالة إلى تطبيق مبدأ الحياد التنافسي،
بحيث تخضع الشركات الحكومية، عندما تمارس نشاطًا تجاريًا قابلًا للمنافسة، للقواعد نفسها المتعلقة بالمشتريات والضرائب والإفلاس وتكلفة رأس المال.
ولا تدعو المقالة إلى إلغاء الملكية العامة أو انسحاب الدولة من الاقتصاد، فهي تقر بأهمية دورها في البنية الأساسية، والأمن الوطني، والتقنيات العميقة، والخدمات العامة، والقطاعات الناشئة.
لكنها تشترط أن يكون التدخل محدد المبرر والمدة والهدف، مرتبطًا بمؤشرات أداء ونقل للمعرفة ودخول شركاء مستقلين وخطة تخارج عند نضج السوق.
وتنتقد المقالة اختزال التنافسية في خفض الأجور أو تخفيف التنظيم أو تقديم الطاقة المدعومة.
فالعامل منخفض الأجر قد يكون أعلى تكلفة إذا كان ضعيف التدريب والإنتاجية،
كما أن ضعف التنظيم قد يخفض التكلفة مؤقتًا لكنه يرفع تكاليف الفساد والنزاعات وعدم اليقين.
ومن ثم تقوم التنافسية المستدامة على المعرفة والمهارة والأتمتة والابتكار وتحسين الجودة.
كما تؤكد أن وفرة التمويل لا تعني بالضرورة تحقق الاستثمار المنتج؛
فقد يتجه رأس المال إلى شراء الأصول والمضاربات والصفقات بين الكيانات المترابطة بدلًا من إنشاء المصانع والمختبرات ومنصات التصدير وتنمية المهارات.
ولذلك ينبغي استبدال سؤال «كم أنفقنا؟» بسؤال أكثر أهمية:
«ما الذي أضافه الإنفاق إلى القدرة الإنتاجية؟».
وتفرق المقالة بين الربح الناتج عن الابتكار والإنتاج وتحمل المخاطر، والريع الناتج عن الامتيازات والعقود المضمونة والحماية التنظيمية؛
فالأول يوسع الثروة،
بينما قد يؤدي الثاني إلى تركيزها لمصلحة من يملك النفاذ.
وتطبق المقالة هذه الرؤية على قطاعات متعددة.
  • ففي الصناعة،
ينبغي قياس النجاح بالصادرات والبحث والتطوير وإنتاجية العامل وعمق سلاسل الإمداد، لا بحجم القروض أو مساحة المصانع فقط.
  • وفي الطاقة،
ينبغي الانتقال من ميزة وفرة المورد إلى كفاءة الاستخدام وانخفاض الانبعاثات وتطوير التقنيات والخدمات القابلة للتصدير.
  • أما في الغذاء والمياه،
فالأمن الغذائي يعني بناء منظومة مرنة ومتنوعة وتحسين إنتاجية المياه، لا إنتاج كل السلع محليًا مهما بلغت كلفتها.
  • وفي النقل واللوجستيات،
لا تقاس التنافسية بعدد الطرق والموانئ، بل بسرعة التخليص وموثوقية الشحن وتكلفة النقل وتبادل البيانات وقدرة المنشآت الصغيرة على الوصول إلى الشبكة.
  • وفي التقنية والاتصالات،
تفرق المقالة بين رقمنة الحكومة وتنافسية الاقتصاد الرقمي؛ فالمعاملات الأسرع لا تكفي ما لم تتمكن الشركات الجديدة من الوصول إلى البيانات والبنية السحابية والتمويل والعملاء ضمن قواعد عادلة.
  • وتشمل الرؤية السياحة والعقار والقطاع المالي وأسواق السلع،
حيث ينبغي أن يتحول الاستثمار العام إلى بنية مشتركة يستفيد منها عدد كبير من الشركات، لا إلى أصول مغلقة تسيطر عليها جهة واحدة.
ويتطلب ذلك شفافية العقود، وتعدد الموردين، وفصل الأدوار بين المالك والمنظم والمشغل، وإتاحة البيانات بشروط متساوية.
وفي ختامها، تقترح المقالة عقدًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على
  • حصر الملكيات الحكومية التجارية،
  • وتحديد مبرر كل ملكية ومدتها وأهدافها،
  • وإخضاع توسع الكيانات العامة في الأسواق لاختبار أثر مستقل.
  • كما تدعو إلى فصل الملكية عن التنظيم،
  • والإفصاح عن الدعم والضمانات،
  • وتحديد الالتزامات العامة بعقود مستقلة،
  • وإنشاء قنوات تظلم للمستثمرين،
  • وتطوير مؤشرات تقيس الإنتاجية والابتكار والصادرات وجودة الوظائف.
تتميز مقالة المهندس عبدالله الرخيص بوضوح أطروحتها وتوازنها؛
فهي لا تصور العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص باعتبارها صراعًا، ولا تدعو إلى إقصاء الدولة،
بل إلى إعادة تعريف دورها.
فالدولة القوية ليست التي تملك أكبر عدد من الشركات، وإنما التي تبني قواعد عادلة،
وتوفر بنية مشتركة،
وتحمي المنافسة،
وتخلق بيئة مستقرة للنمو والابتكار.
ومن أبرز نقاط القوة أن المقالة تربط مبدأ المنافسة بأدوات عملية، مثل
الفصل بين مالك الشبكة ومقدم الخدمة،
والإفصاح عن الدعم، والمشتريات التنافسية،
وربط الحوافز بالإنتاجية والتصدير ونقل المعرفة.
كما تقدم فهمًا متقدمًا للتوطين؛
فالتوطين المنتج يقوم على :
  • التدريب ونقل المعرفة والتطور المهني،
  • لا على زيادة الأعداد في قوائم الموظفين فقط.
ومع ذلك، فإن اتساع نطاق المقالة يجعل بعض توصياتها
  • بحاجة إلى ترتيب وتنفيذ مرحلي، مع تحديد الجهات المسؤولة ومؤشرات القياس.
  • كما يحتاج الحياد التنافسي إلى أدوات دقيقة لقياس أثر الضمانات الحكومية وانخفاض تكلفة التمويل والوصول التفضيلي إلى الأرض والعقود والبيانات.
وينبغي أن يكون تخارج الدولة منظمًا ومدروسًا،
حتى لا يتحول الاحتكار العام إلى احتكار خاص.
وبوجه عام، تطرح المقالة سؤالًا يتجاوز ملكية المشروع إلى أثره:
هل أسهم في بناء سوق منتجة وعادلة ومستدامة؟
وتتمثل رسالتها الأبرز في أن الحكومة لا تتراجع حين تمتنع عن منافسة القطاع الخاص في النشاط القابل للمنافسة،
بل ترتقي
  • من لاعب إلى حكم،
  • ومن مالك مشروع إلى مهندس للسوق،
  • ومن مستفيد مباشر من القيمة
  • إلى ضامن لخلقها وتوزيع فرصها.
وبذلك تصبح
  1. المنافسة
  2. والعدالة الاقتصادية
شرطين لاستدامة النمو، لا عبئًا عليه.

كاتب رأي 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.