سورة البقرة

سورة البقرة
سنام القرآن ومفتاح البركة والسعادة في الدارين
بقلم: عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، وجعل في سوَرِه شفاءً ورحمةً للمؤمنين، وأفضلَها وأعظمَها بركةً سورةُ البقرة التي جعلها الله سنامَ كتابه وذروتَه، والصلاة والسلام على من أُوتي جوامع الكلم، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن سورة البقرة بحقٍّ كنزٌ عظيم، مَن تدبَّرها وتلاها وتمسَّك بها جلبَت له البركة في رزقه ووقته وأهله، وطردت عنه الشياطين وأبطلت كيد السحرة، وحقَّقت له الطمأنينة والاستقرار النفسي في دنياه، وكانت له شفيعاً وظلاً يوم القيامة. وهي أطول سور القرآن الكريم، إذ تبلغ آياتها ستاً وثمانين ومئتي آية، وهي من أوائل ما نزل بالمدينة المنورة، وقد جمعت من قواعد الإيمان وأصول الأحكام والقصص والمواعظ ما لم يجتمع في سورة سواها.
سنام القرآن وعظيم فضله
لقد شرَّف الله سورة البقرة على سائر سور القرآن، فجعلها سنامَه وذروتَه، كما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لكل شيء سناماً، وسنام القرآن سورة البقرة». وسنامُ كل شيء أعلاه وأرفعه، فشُبِّهت السورة بسنام الجمل الذي هو أعلى ما فيه؛ إشارةً إلى رفعتها وعلوِّ منزلتها بين سور الكتاب العزيز. وقد بيَّن أهل العلم أنها إنما استحقت هذا الوصف لطولها واحتوائها على أحكام كثيرة، حتى قيل: اشتملت على ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر، فجمعت من أحكام الصيام والحج والجهاد والبيوع والنكاح والطلاق وقصص الأنبياء وقواعد الإيمان ما جعلها موسوعةً إيمانية وتشريعية متكاملة. وقد سماها النبي ﷺ مع أختها آل عمران «الزهراوين» أي المنيرتين؛ لكثرة ما فيهما من أنوار الأحكام والأسماء الحسنى.
وأعظم ما ورد في فضلها قول النبي ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه: «اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلة». فـ«الأخذ» هنا يشمل حفظها وتعلُّمها والمواظبة على تلاوتها والتدبر في معانيها والعمل بما فيها والرقية بها، فكلُّ ذلك بركةٌ وزيادة ونماء ومنفعة عظيمة في الدين والدنيا. وأما «تركها» فهو حسرةٌ وندامة على ما فات من الثواب، وحرمانٌ من خيرات الدنيا والآخرة وما فيها من النور والهداية. و«البَطَلة» هم السحرة، فلا يستطيعون قراءتها لزيغهم عن الحق، ولا يقدرون على اختراق تحصينها والتغلب على من قرأها وتمسَّك بها.
ومما يدل على مكانتها أن النبي ﷺ قدَّم حافظها على غيره، فقد بعث بعثاً فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فلما وجد أحدثهم سناً يحفظ سورة البقرة قال له: «اذهب فأنت أميرهم». وكانت هذه السورة شعارَ الصحابة في أحلك المواقف؛ فيوم حنين لما اشتد البأس أمر النبي ﷺ عمَّه العباس أن ينادي: «يا أصحاب سورة البقرة»، فرجع المسلمون وثبتوا حتى كتب الله النصر. بل إن الملائكة تتنزل للاستماع إلى تلاوتها، كما في قصة الصحابي الجليل أسيد بن حضير رضي الله عنه الذي قرأها في جوف الليل فرأى مثل الظُّلَّة فيها أمثال المصابيح، فقال له النبي ﷺ: «تلك الملائكة دنت لصوتك».
طرد الشياطين وحماية البيت
ومن أعظم بركات سورة البقرة أنها طاردة للشياطين، حافظةٌ للبيوت من شرورهم ومكائدهم. فقد قال رسول الله ﷺ: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة». فالبيت الخالي من ذكر الله وتلاوة كتابه كالمقبرة الموحشة التي لا حياة فيها، أما البيت الذي تُتلى فيه سورة البقرة فإنه يتحول إلى حصن منيع لا يجرؤ الشيطان على الاقتراب منه، وتعمُره السكينة والرحمة والنور. وجاء في رواية أخرى: «إن الشيطان إذا سمع سورة البقرة تُقرأ خرج من البيت الذي يُقرأ فيه سورة البقرة».
وتلاوتها في البيت ليلاً أو نهاراً سببٌ لانصراف الشياطين مدةً ممتدة، كما في الحديث: «من قرأها -يعني سورة البقرة- ليلاً لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال، ومن قرأها نهاراً لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام».
والسبب في ذلك -كما بيَّن أهل العلم- أن سورة البقرة تحوي من التوحيد وتعظيم الله والاستعاذة به ما يجعلها حصناً منيعاً؛ فقد كثرت فيها أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وعلى رأس ذلك آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله، فيفر الشيطان من البيت الذي تُقرأ فيه السورة لأن فيها من الآيات ما يرد كيده ويبطل وسوسته. ولهذا كانت سورة البقرة عمدة الرقية الشرعية التي يُستشفى بها من السحر والعين والمس، فهي التي لا تستطيعها البَطَلة، فلا يقوون على من تحصَّن بها بإذن الله.
آية الكرسي وخواتيم السورة
تحتوي سورة البقرة على أعظم آية في القرآن الكريم، وهي آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فقد سأل النبي ﷺ أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه: «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فضرب في صدري وقال: «واللهِ ليهنك العلم أبا المنذر». وإنما كانت أعظم آية لأنها جمعت من أصول الأسماء والصفات وتوحيد الله وتعظيمه ما لم تجمعه آية سواها.
وهي حافظة لمن قرأها بإذن الله؛ فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح». وورد في فضل قراءتها دبر الصلوات قوله ﷺ: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت».
كما خُتمت السورة بآيتين عظيمتين هما قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخر السورة، وقد قال فيهما النبي ﷺ: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». وقد ذكر العلماء في معنى «كفتاه» أقوالاً كلها حق: أي أجزأتاه عن قيام الليل، أو كفتاه من كل سوء ومكروه، أو حفظتاه من شر الشيطان، أو كفتاه ما أهمَّه وغمَّه. وهاتان الآيتان من كنوز الجنة؛ ففي صحيح مسلم أن ملَكاً نزل من باب في السماء لم يُفتح قط إلا يومئذ، فقال للنبي ﷺ: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أُعطيتَه».
أثرها على سعادة الإنسان واستقراره النفسي
إن المداومة على تلاوة سورة البقرة ليست عبادةً يُؤجر عليها المسلم فحسب، بل هي سببٌ عظيم لتحقيق السكينة وراحة البال في الحياة الدنيا. فالقرآن كله شفاء ورحمة، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾، وسورة البقرة في مقدمة ذلك؛ فهي تبدِّد مشاعر القلق والخوف والاكتئاب، وتملأ قلب المسلم بالرضا والاطمئنان، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
فالمؤمن الذي يتلوها بتدبر يجد فيها من المواعظ والقصص والأحكام ما يهدي قلبه ويصلح أمره؛ يقرأ قصة آدم عليه السلام فيتعلم التوبة والرجوع إلى الله، ويقرأ قصص بني إسرائيل فيحذر من التعنت والجدال ونقض العهود، ويقرأ قصة إبراهيم عليه السلام وبنائه البيت فيتعلم التسليم والانقياد لأمر الله، ويقف عند آيات الابتلاء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ فيتعلم الصبر والاسترجاع، ويختمها بدعاء الخواتيم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فيمتلئ قلبه رجاءً وثقةً بأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وقد وصفها بعض أهل العلم بأنها «منظومة حياة متكاملة»؛ إذ تعلِّم الإنسان كيف يواجه تحدياته ويرتب علاقته بربه وأهله ومجتمعه، وتُشعره بالأمان المعنوي لأنها تقيه بإذن الله من الأذى والسحر والحسد والعين، وتيسِّر له أموره وتجلب البركة في رزقه ووقته. ولهذا كانت له منجاةً من الهموم والغموم؛ فمن جعل لها ورداً ثابتاً في يومه أو أسبوعه وجد أثر ذلك سكينةً في قلبه، وانشراحاً في صدره، وتيسيراً في شؤونه، وحفظاً في نفسه وأهله وبيته. ويجتمع في قارئها المداوِم عليها خيرُ الدنيا بالبركة والحفظ والطمأنينة، وخيرُ الآخرة بالشفاعة يوم القيامة حين تأتي هي وآل عمران كأنهما غمامتان تظلان صاحبهما وتحاجّان عنه.
خاتمة
سورة البقرة هي هبة الله العظمى لأمة محمد ﷺ، فيها البركة والحفظ والشفاء والطمأنينة، وهي سنام القرآن وذروته، وحصن المؤمن من الشيطان والسحرة، وشفيعه يوم العرض على الله. فمن تمسَّك بها فاز بخير الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنها فرَّط في خير عظيم وخسر ما فيها من النور والهداية. فأكثِروا من تلاوتها، وتدبَّروا آياتها، واعملوا بأحكامها، واجعلوا لها في بيوتكم نصيباً؛ تدركوا بركتها، وتنعموا بالسكينة والحماية، وتربحوا الأجر والثواب، وحافظوا على آية الكرسي دبر الصلوات وعند النوم، وعلى خاتمة السورة كل ليلة، فذلك حرزٌ وكفاية بإذن الله. ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
كاتب رأي
