كُتاب الرأي
سون تزو في مواجهة القرن الحادي والعشرين 1

سون تزو في مواجهة القرن الحادي والعشرين
هل ينتصر الأميركي أو الإيراني بلا قتال؟
الجزء الاول
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
ليست الحروب الكبرى تلك التي تبدأ بإطلاق النار، بل تلك التي تسبق إطلاق النار وتعيد ترتيب الحسابات، وتختبر الإرادات، وتستنزف الخصم من غير أن تمنحه فرصة واضحة للرد. ولهذا تبدو قراءة كتاب «فن الحرب» للصيني سون تزو، بعد أكثر من ألفي عام على ظهوره. ( إذ كُتب تقريباً في القرن السادس قبل الميلاد (في حدود عام 500 ق.م)، أقرب إلى قراءة دليل في إدارة الصراعات الحديثة منها إلى مطالعة أثر عسكري قديم. فالرجل لم يكن يحتفي بالقوة لذاتها، ولم يجعل المعركة غاية مستقلة، بل نظر إليها باعتبارها آخر مراحل الفشل الاستراتيجي حين تعجز السياسة والحساب والمناورة عن تحقيق الهدف.
يُنسب إلى سون تزو، في أشهر صياغة عربية متداولة، أن «ذروة فن الحرب هي إخضاع العدو من دون قتال». وهذه العبارة ليست دعوة إلى السلم بالمعنى الأخلاقي المجرد، ولا إنكارًا لطبيعة الصراع، وإنما هي تعريف للنصر الأكثر كفاءة:
- أن تبلغ غايتك مع أقل قدر ممكن من الخسائر،
- وأن تكسر قدرة خصمك على الاستمرار قبل أن تضطر إلى تدمير المدن والجيوش والاقتصادات.
وفي الترجمة الإنجليزية الكلاسيكية للنص، يرد المعنى بوضوح:
- التفوق الأعلى هو «كسر مقاومة العدو دون قتال»،
- كما يقرر سون تزو أن الحرب الطويلة تستنزف موارد الدولة ولا تعود بالنفع على أحد.1
الحرب قبل المعركة
يبدأ سون تزو من قاعدة تبدو بسيطة، لكنها شديدة العمق:
النصر لا يُصنع في ساحة المعركة،
بل في غرفة الحسابات التي تسبقها. ولذلك يضع
التخطيط،
- ومعرفة الأرض،
- وحساب الموارد،
- ونوعية القيادة،
- وانسجام المجتمع،
- والانضباط، ضمن الشروط الأولى لأي انتصار.
فالقائد الذي يدخل الحرب متكئًا على الحماسة وحدها يشبه من يقفز إلى البحر لأنه يثق بقوة ذراعيه، من غير أن يسأل عن اتجاه الريح، وعمق الماء، وبعد الشاطئ.
ويمنح الكتاب للخداع موقعًا مركزيًا في الاستراتيجية.
غير أن الخداع، في المعنى السونتزي،
- لا يقتصر على الكذب المباشر،
- بل يشمل إدارة الصورة،
- وإخفاء النوايا،
- وإرباك تقديرات الخصم،
- وإجباره على اتخاذ القرار في البيئة التي يصنعها الطرف الأقوى.
لذلك يقول النص إن «الحرب تقوم على الخداع»، وإن القائد :
- لا يكشف قوته كاملة،
- ولا يسمح لخصمه بأن يعرف متى يتحول التهديد إلى فعل،
- ومتى يتحول التفاوض إلى مناورة،
- ومتى تكون المرونة بابًا للضغط لا علامة على الضعف.1
لكن الخداع وحده لا يكفي. فالمبدأ الأشهر في الكتاب هو
- معرفة الذات والخصم معًا.
- إن معرفة قدراتك من دون معرفة حدود خصمك تؤدي إلى غرور خطير،
- ومعرفة خصمك من دون فهم بنيتك الداخلية تنتج قراءة ناقصة،
- أما الجمع بين المعرفتين فيمنح القرار الاستراتيجي أساسًا واقعيًا.
ومن هنا فإن سون تزو لا يقدم وصفة للانتصار بقدر ما يقدم منهجًا لتقليل المفاجآت، وتجنب القرارات التي تُبنى على الرغبة بدل الوقائع.
من «فن الحرب» إلى «فن الضغط»
إذا انتقلنا من زمن الجيوش المتقابلة إلى زمن العقوبات الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والوكلاء المحليين، وحروب المعلومات،
سنجد أن كثيرًا من مبادئ سون تزو قد خرجت من الخنادق لتستقر في أدوات السياسة الدولية.
فلم تعد الدولة تحتاج دائمًا إلى احتلال أرض خصمها كي تؤثر في قراره؛
- إذ يكفي أحيانًا أن تضغط على اقتصاده،
- أو تعزل مؤسساته،
- أو ترفع كلفة خياراته،
- أو تمنع عنه الموارد،
- أو توسع دائرة المخاطر حوله.
وفي المقابل، لم يعد الطرف الأضعف مضطرًا إلى مواجهة القوة الأعظم في معركة مباشرة.
يستطيع أن يوزع قدرته على جبهات متعددة،
- وأن يستخدم الجغرافيا،
- والوقت،
- والغموض،
- والفاعلين المحليين،
- وأن يجعل خصمه يدفع ثمن التفوق العسكري في صورة استنزاف سياسي ومالي وأمني.
هنا يتحول الصراع من سؤال: «من يملك السلاح الأقوى؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا:
«من يستطيع تحويل نقاط قوة خصمه إلى أعباء عليه؟».
هذه هي الزاوية التي تجعل الصراع الأميركي الإيراني مثالًا حيًا، وإن كان غير كامل، على بعض أفكار سون تزو.
فالعلاقة بين واشنطن وطهران
•ليست مواجهة ثنائية بسيطة،
•ولا تختزل في البرنامج النووي وحده.
إنها شبكة من الملفات المتداخلة:
- العقوبات،
- والقدرات الصاروخية،
- والنفوذ الإقليمي،
- وأمن الملاحة والطاقة،
- والتحالفات،
- والردع،
- والتفاوض،
- والاعتبارات الداخلية في كل من البلدين.2 3
