كُتاب الرأي

خارج الرف: من الذاكرة إلى الميدان

خارج الرف: من الذاكرة إلى الميدان

منـيرا الـعتـيبي

ليست كل معرفة نملكها أصلًا. قد يعرف الإنسان كثيرًا، ويمتلك رصيدًا واسعًا من القراءات والخبرات، لكنه إذا لم يستطع أن يترك وراءه شيئًا يُبنى عليه، بقيت معرفته محصورة في ذاكرته. فالقيمة لا تبدأ من حجم ما نعرف، بل من قدرتنا على تحويله إلى شيء يعيش خارجنا.

وهنا يبدأ الفرق بين العارف والصانع. العارف يمتلك المعرفة، أما الصانع فيُخرج منها شيئًا قابلًا للاستخدام: فكرة، منهجًا، أداة، نصًا، حلًا، أو طريقة عمل. وليس الانتقال بينهما مجرد زيادة في الخبرة، بل انتقال من امتلاك المعرفة إلى إنتاج قيمة منها. فقد يقرأ شخص كثيرًا في إدارة المشاريع، لكنه لا يصبح صانعًا إلا حين يحوّل ما قرأه إلى طريقة عمل تضبط مشروعًا حقيقيًا، وتكشف له أين تتعثر القرارات وكيف يمكن تحسينها.

*حين يكشف الميدان ما لا تكشفه المعرفة*
في الذهن تبدو الأفكار أكثر اكتمالًا مما هي عليه في الواقع؛ لأن المعرفة تُختبر هناك في ظروف مثالية، بينما يكشف الميدان ما أغفلته التفاصيل والقيود والنتائج.
قد تبدو قاعدة ما واضحة حتى نحاول استخدامها، وقد نتصور أننا أتقنّا فكرة حتى تضطرنا إلى شرحها أو تطبيقها، وعندها تظهر الثغرات التي لم تكن مرئية أثناء التلقي.

لذلك لا يكون الاحتكاك بالواقع مرحلة لاحقة لاختبار المعرفة فحسب؛ بل يصبح جزءًا من تكوينها. فبعض ما نعرفه لا يكتمل إلا عندما نضعه في موقف يجبره على الإجابة.

*شجاعة الخروج من الإعداد*
المشكلة ليست دائمًا في نقص الاستعداد؛ أحيانًا يصبح الاستعداد وسيلة لتأجيل الاختبار. مزيد من البحث، مزيد من التخطيط، ومزيد من تحسين الفكرة قبل أن يراها أحد.
لكن الجودة لا تُكتشف كاملةً خلف الأبواب المغلقة. جزء منها لا يظهر إلا عندما تواجه الفكرة مستخدمًا، أو قارئًا، أو عميلًا، أو نتيجة لا تجامل صاحبها.

لذلك لا يدخل الصانع الميدان لأنه ضمن جودة ما صنع، بل لأنه يعرف أن الجودة نفسها تحتاج إلى ميدان يكشفها ويعيد تشكيلها.

*من التجربة إلى الأصل*
لكن التجربة وحدها لا تبني الصنعة. قد يخوض الإنسان عشرات التجارب، ثم يكرر الأخطاء نفسها إذا انتهت كل تجربة عند نتيجتها.
التحول الحقيقي يحدث عندما يستخرج من التجربة معرفة قابلة لإعادة الاستخدام: يلاحظ ما نجح، يحدد ما تعثر، يصوغ قاعدة، يحسن طريقة، ويوثق ما يستحق الاحتفاظ به. عندها لا تبدأ التجربة التالية من الصفر؛ بل تبدأ من نقطة أعلى.
وهذا ما يميز التراكم الحقيقي عن مجرد كثرة التجارب؛ فالأصل المعرفي لا يتكون من عدد ما مررنا به، بل من مقدار ما استطعنا تنظيمه واستخلاصه وتحويله إلى مرجع يعود إليه العمل. ومع الوقت، تتشكل لدى الصانع قواعده الخاصة، ومعاييره، وأدواته، وطريقته في النظر إلى المشكلات. عندها تصبح الخبرة نظامًا يعمل معه، لا مجرد ذكريات مهنية تتراكم في ذهنه.

وهنا تصبح المعرفة أصلًا: حين تترك وراءها شيئًا يمكن الرجوع إليه، وإعادة استخدامه، وتطويره، والبناء عليه؛ منهجًا صاغه صاحبه، أو معيارًا حسّن به قراراته، أو أداة اختصر بها وقتًا، أو طريقة أثبتت التجربة قابليتها للتكرار. عندها لا تضيف التجربة معرفة جديدة فحسب؛ بل ترفع نقطة البداية للتجربة التالية.

فما يصنع الفارق ليس عدد ما مررنا به، بل ما استطعنا استخلاصه منه وتحويله إلى قدرة تنتج أثرًا يبقى ويُستخدم ويُطوّر.

عندها ينتقل الإنسان من عارفٍ يحمل المعرفة، إلى صانعٍ تتراكم المعرفة في يديه.

كاتبة سعودية

 

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.