كُتاب الرأينحن طويق

السعودي.. حمر عين

السعودي.. حمر عين

منـيرا الـعتـيبي

يُقال في الموروث الشعبي «فلان حمر عين» للدلالة على الشجاعة والحزم والإباء، ووصف من لا يقبل الضيم ولا يتراجع حين تُمسّ كرامته أو يُنتقص حقه. وهي مقولة تختزل معنى الاعتداد بالنفس والثبات في المواقف، حين لا تكون الشجاعة مجرد صفة عابرة، بل موقفًا يُترجم عملياً عند الاختبار. وهذا المعنى يجد امتداده في علاقة السعودي بأرضه؛ فهو ابن هذه الأرض التي وُلد عليها ونشأ بين تضاريسها، ونبتت جذوره في عمق ثراها كما تنبت أشجار السمر الشامخة، وتفوح الخزامى في براريها. ليست الأرض بالنسبة إليه مساحةً جغرافية تحصُرها الخرائط، بل ذاكرة، وهوية، وامتدادٌ تاريخي وأخلاقي للأجيال؛ ومن هذا الارتباط الوجودي يتجذر اعتزازه بوطنه، ويصبح الدفاع عن سيادته تعبيرًا حتميًا عن الوفاء للأرض وصونًا لكرامتها.

فالارتباط بالأرض السعودية ليس طارئاً ولا مكتسباً من ظروف الرخاء، بل هو امتداد لكيان سيادي نبت في هذه الجزيرة وتماهى معها دون أن يذوق طعم الاستعمار أو التهجير يوماً. هذه العراقة الهيكلية هي التي تفسر الفارق بين من يرى الوطن مجرد ملجأ، وبين من يراه جزءًا لا يتجزأ من تكوينه الشخصي والجيني. ولأن الجذور ضاربة في الأعماق، فكما توارث أبناء هذه الأرض جذورهم وانتماءهم، توارثوا أيضاً عاطفتهم الراسخة تجاه حكامهم؛ عاطفة ولاء وحب وبرّ ينظرون من خلالها إلى قيادتهم سنداً وعزوة، فيما تبادلهم القيادة حناناً ورحمةً وعطفاً إنسانياً يذيب المسافات ويجعل البيت السعودي الكبير متلاحماً في الأفراح والمواقف العِظام. هذه المحبة المتوارثة والثقة العميقة هي الدرع الحقيقي الذي تنكسر عليه كل رهانات التفرقة والتشكيك، لأن الولاء هنا ليس قراراً عابراً، بل عقيدة شعور متجذرة في الروح.

وقد كشفت الأحداث الأخيرة عن مواجهة متعددة الأبعاد تزامنت فيها الجبهات؛ فبينما كانت القوات العسكرية تصد الصواريخ والمسيّرات المعتدية بحرفية واقتدار، اندلعت في الفضاء الرقمي حملات تضليل مسعورة سعى فيها الخصوم لإرباك المجتمع السعودي واختلاق أدخنة كاذبة للهزائم. ولم تقف المعركة عند حدود التزييف السياسي، بل تعدتها إلى انحدار أخلاقي فادح تجسد في الرقص على دماء الشهداء والتطاول على القيادة والتشفي مع كل اعتداء حوثي غاشم. إن هذا السلوك لم يكن خلافاً مكشوفاً، بل تم توجيهه وإدارته بخبث من خلف الستار عبر أدوات تختبئ خلف شعارات واهية، لتطلق العنان لخطابٍ مزدوج كشف عن مأزق أخلاقي فادح؛ خطاب يستجدي الانتصارات الزائفة، ويحول الألم البشري إلى مادة رخيصة للتشفي المبتذل.

وهنا اكتملت معادلة الردع الوطنية: (دفاعٌ يحمي الأجواء، ووعيٌ يحمي الحقيقة)؛ معادلةٌ تتكامل فيها اليقظة الميدانية لردع العدوان الخارجي، مع المناعة الفكرية لفرز الروايات وإسقاط اختراقات الوعي. فكما لا تخترق أجواء البلاد مقذوفات الغدر، لا تخترق أذهان أبنائها سموم التضليل.

وليعلم العالم أن المملكة العربية السعودية دولةٌ عصيةٌ على الانكسار، لم تكن يوماً حديثة عهدٍ بالمؤامرات ولا جاهلةً بالمعارك؛ فقد خاضت عبر تاريخها العريق حروباً معلنة ومواجهات تُدار تحت الطاولات للإيقاع بها، فخرجت من كل مضمارٍ أشد منعةً وأصلب عوداً. إنها دولةٌ تُدار بحكمة الكبار وفائض القوة، لا تتراجع أمام الضغوط، ولا تساوم على شبرٍ واحدٍ من سيادتها الوطنية.

وهنا تحديداً برز المعنى الميداني
لـ «السعودي حمر عين» ليكون وصفاً واقعياً لكل مفصل من مفاصل هذا الوطن؛ إذ تجلت هذه الصفة في تلاحم أركان الدولة كافة بلا استثناء:

ففي أروقة القرار، وقفت القيادة السياسية بقوة وحزم، ترسم مسارات الدولة بثبات واقتدار وحكمة، وتدير المعركة بفائض القوة ودون خضوع لابتزاز أو ضغوط، مثبتةً أن القرار السعودي لا يمليه إلا الاستحقاق الوطني والكرامة السيادية.

وفي ميدان الشرف والعزة، كان الجندي السعودي على الثغور نموذجاً للصلابة والإقدام، يواجه المخاطر بقلب جسور ويحمي السماء والحدود بيقظة لا تنام وبأس لا يلين.

وعلى الجبهة الرقمية، برز سلوك المواطن السعودي؛ إذ لم يقف موقفاً سلبياً، ولم ينتظر توجيه الحركة، بل أخذ زمام المبادرة بكفاءة واقتدار؛ فخاض معركة الوعي بالتحقق الدقيق من الادعاءات، وتفنيد الأكاذيب بالوثائق والدلائل، وإعادة صياغة الرواية الوطنية بذهنية حادة جمعت بين الرزانة الحازمة في كشف التزييف، وبين روح التهكم والسخرية الواعية التي حولت زيف الخصوم وسذاجتهم إلى مادة للازدراء، متكئين في ذلك على ثقتهم التامة بدولتهم وجيشهم.

إن التماسك الوطني في النهاية لا يُقاس بحجم الشعارات المُرددة، بل بالحصانة الأخلاقية والذهنية التي تظهر في أوقات الاستفزاز. فقد أثبت المواطن السعودي أن وعيه هو خط الدفاع الأول، وأن الحفاظ على حرمة الدماء وصون الحقائق جزء لا يتجزأ من حماية السيادة الوطنية.

وعليه، ستظل مقولة «السعودي حمر عين» عنواناً لشخصية واعية تعرف كيف تصون تاريخها، وتحمي حاضرها، وتكسر أوهام الاستهداف بثبات الموقف ورسوخ الانتماء.

كاتبة سعودية

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.