في ظلال المسرح

يا صاحبة الناي…

يا صاحبة الناي…

تأليف الكاتبة: مسعدة اليامي
مسرحية الشخص الواحد

الرؤية الإخراجية
الفضاء المسرحي: حقل من أشجار القصب، تتناثر على أرضه مجموعة من أعواد الناي. في الخلفية رجال يجمعون القصب، وآخرون يعملون على تجريده من الأوراق. فوق إحدى الأشجار كوخ صغير، تطل منه امرأة بملابس الفلاحة البسيطة، وفي يدها ناي تعزف عليه ألحان عذبة تتطاير في الهواء.
مع ملاحظة: الرؤية تعتمد على ممثلة واحدة، وناي بوصفه عنصرًا صوتيًا محوريًا، وجسد الأم بوصفه عنصرًا بصريًا ثابتًا، مع انتقالات بسيطة بين حالات الذاكرة والواقع. عناوين المشاهد والإرشادات الإخراجية إضافات تنظيمية،

الصوت: عزف ناي خفيف يشبه قطرات الندى التي تترك أثرها على أوراق الشجر.

الإضاءة: إضاءة هادئة تكشف الفضاء المسرحي تدريجيًا، وتتركز على الشخصية الرئيسية عند دخولها.

المشهد الأول: البحث عن صوت الناي

الحركة: تدخل امرأة في العقد الرابع من عمرها، تتأمل الصورة وتبحث بعينيها عن صاحبة الناي.

المرأة: يا صاحبة الناي أين أنتِ؟ لم أسمع صوتك اليوم فعسى المانع خير؟ أريد منك اليوم أن تعزفي جروح الأيام والسنوات التي مضت من عمري وأنا أقف في ذات الدائرية. إنً عزفك يا صاحبة الناي يأسر قلبي ويخفف ما بي من حزنٍ وألم، أني أجد راحتي بين يدك فلا تبخلي علي بعزفكِ.

عندما سمعتك في الماضي البعيد وأنتِ تعزفين أغنية أنا بعشقك حلق فؤادي من القفص الصدري وجاب بلاد العرب كلها بحثنا عن ذلك الشجن الذي طربتْ له ُالصحاري والمواشي والأشجار، والأنهار، والإنس، والجن!

الحركة: تضع يدها على صدرها، ثم تأخذ بالرقص برشاقة راقصة الباليه.

المرأة: أحسست بشعور غريب من الرقة والخفة لدرجة أني ظننت أني عاشقة تقطن الصحراء وبجواري واحة من العشق تتظلل بنخيل الحب التي يتدل ثمرها بقصائد شعراء العشق العذري حلقت بخيالي بعيداً إلى أن أفقت على صوت جاف كالصخر فرجعت إلى واقعي وفي فمي مرارة لم تذهبها ملعقة العسل التي تناولتها من يد أمي.

أمي التي لا تكف عن قول العمر يجري وأنت لم تتزوجي، العمر لا يعود فهو مثل طلة الصبح ما أن تبدأ الشعرات البيضاء تطل من مفرقك فلن ينفعك التعليم ولا الوظيفة ولا الراتب ولا البيت الذي أقدمت على شرائه ولا سيارتك الفخمة التي تقودينها في شوارع المدينة المزدحمة ما أن تعودي من تلك الزحمة الخانقة يا بُنيتِ. يصاحب صوتها الذي بدا يخفت أهات وقعت علي سمعي كأنها سياط من النار!

المشهد الثاني: الأم الغائبة

الحركة: تتراجع المرأة إلى الوراء وهي تنادي أمها. يظهر جسد الأم ملفوفًا بكفن في الجهة اليمنى من المسرح. تقترب منه، تمسك به، تضمه وتقبله، فيما يتمايل رأسها على نغمات الناي الحزينة.

البنت: أمي ما بك؟

الحركة: تتخيل أن أمها الميتة ترد عليها.

الأم: أشعر بأن روحي متعبة بسبب خوفي وقلقي عليك، أخشى أن أفارق الدنيا واترك وحيدة.

البنت: لا تقولي ذلك، اسأل الله أن يمدك بعمر طويل.

الأم: لقد اكتفيت فما بعد هذا العمر عمر فالعود الجاف لا يزهر وأن ظل المطر يتساقط فوقهُ بالليل والنهار.

البنت: أمي كفي عن ذلك الكلام فالعمر مجرد رقم والشباب في الروح.

الأم: أن تلك كذبة، بل دواء معسول، نقع على فاه صناع الأمل.

الحركة: تعود البنت لتقف أمام اللوحة.

البنت: يا عازفة الناي ألا أجد الحل عندك؟ أني عندما اسمع صوتك تسكن روحي واخلد إلى نوم عميق وأنا في سكون ورضى، وقناعة لا يقدر أحدٌ على أن يفهمها سواك.

يا صاحبة الناي لقد أتيت إليك اليوم حتى تعزفي لي حتى منتصف الليل أو إلى أن تشرق الشمس فقد سئمت من نظرات وهمزات النسوة اللواتي حولي في العمل.

المشهد الثالث: مرايا النساء

الحركة: تقف المرأة أمام الصورة، وكأنها تستعيد مشاهد من حياتها اليومية.

البنت: تلك تنظر إلي وهي تربت على بطنها المبشر بولد بعد طول انتظار وولادات متتالية تسفر عن بنات فقد تنفست الصعداء عندما أخبرتها الدكتورة أنها حامل بولد وتلك الأخرى التي تنشر شعرها على الكرسي كما تنشر أنواع العطور التي تشتري من المتاجر الإلكترونية فوق مكتبها حتى ترضي غرور زوجها الذي لم يشبع بعد من التنقل من وردة إلى أخرى وتلك تُرين ألوان قمصان النوم التي سافرت بها إلى قصص ألف ليلة وليلة وبعد ذلك الدلال تعزف عيونها دموع الخيانات!

الأداء: تخفت نبرة صوتها.

البنت: لازلت وحدي أتناول قهوتي وأطوي جسدي داخل ذلك اللحاف الشتوي في فصل الصيف، فالسرير بارد لم يذق طعم الدفء يوماً.

الحركة: تنظر إلى جسد أمها المسجى بالقرب منها، وتضع جزءًا منه فوق فخذها، ثم تنوح.

البنت: جسد أمي أصبح مثل القطب الجنوبي فقد شاخ لسانها وهي تحاول اقناعي بالزواج من رجل شارف على الستين ولديه ثلاث زوجات. فقد قالت لي: ذات يوم قبل أن ترحل وتتركني للوحدة تفترسني.

الأم: أنها الفرصة الأخيرة فمن سيرض أن يتزوج بك وأنت في هذا العمر، صدقيني أنها الفرصة الأخيرة في أن يكون لك طفل تتعكزين عليه عند عجزك.

الحركة: تضع جسد الأم برفق على الأرض، وتقف مديرة ظهرها إليه، وتتحدث بصوت خافت.

البنت: أن أمي لا تدري أن هناك من سيبيع نفسه من أجل أن أدفع له مبلغ من المال حتى يشتري له سيارة أو اصرف عليه في رحلات حول العالم أو اعطيه ما يسد حاجة لتنقل من لونج إلى لونج أكثر انفتاحيه هي لا تعلم أن أشباه الرجل في هذا الزمن كُثر، ولكن كم هو مؤلم أنها لم تفكر في سعادتي.

المشهد الرابع: أحلام مؤجلة

البنت: آه ثم آه يا، صاحب الناي أن أريد أن أحلم بكوني أجري وراء طفلتي في حديقة دزني لاند.. أركض خلفها بينما هي تملك طاقة تجعلها تركض وراء أميرات العالم كونها لا تزال تتمتع بطاقة متدفقة تبحث عن جنون الحياة في المتع التي توجد في كل مكان.

أم أنا فقد شاخت روحي من ذلك الزوج الذي امتص ما تبقى في داخلي من رحيق ثم حلق يبحث عن أخرى مخلف خلفهُ ثلاث من النساء وثلة من الأولاد، لا يعلم ما هي احتياجاتهم وكيف تقضي كل واحدة من نسائه حاجتها وحاجت أطفالها بما يدفع لهن من مبالغ ضئيلة لا تغني ولا تشبع كل ما يهم ذلك الرجل (اليعسوب) أن يقف أمام الكاميرات محتفلا بزواجه ومستقبلا للهدايا التي تتهافت عليه من كل حدب وصوب.

الحركة: ترقص على نغمات الناي كأنها رجل صوفي يريد أن يخرج الظلام الأسود الجاثم على صدره المتعب من خلال تلك الرقصة.

البنت: (عانس، متزوجه، مطلقة) حصلت على تلك الأوسمة، ولكن لم يكن هناك جائزة صنعت من الذهب ولم يغدق علي بمال قارون حتى أعيش حياة كريمة، ولكن الحمد لله أنني كنت موظفة، قريبا سوف اتقاعد حتى أجد مساحة كبيرة أمضيها بصحبة صاحبة الناي.. التي أفنت عمرها منذ علمت بحب الخالص لها وهي تعزف لي مقطوعات متباينة في الصباح وفي المساء وما يناسب حالتي هي تُدرك متى أكون بحاجة إلى جرعة حزن أو جرعة سعادة أو جرعة هدوء وتأمل.

يا صاحبة الناي ألم ينتهي عصر الحريم، ألم ينتهي عصر الجبروت على أرواح النساء ألم ينتهي وئد الأجساد، ولكن هناك قيود لا تزال تكبل العقول وتزج بالقلوب والألباب خلف الظلمات وتقتل الأحلام، ألا يحق لي أن أقول بصوت عالي.

أنهُ لا يوجد في داخلي رغبة للركض وراء مغامرات رجل لا زال مراهق بعد الخمسين ولا يوجد عندي ذرة من الطاقة للجري وراء طفلة حتى أعدل هندامها وأربط ربطة حذائها وأعمل شعرها الأسود على شكل جدائل ثم أربط لها الشرائط البيضاء التي لا تروق لها كونها تبحث عن تسريحة شعر تليق بها،ثم ألهث وراء مرهقتها التي تفني سكون روحي.

المشهد الخامس: المواجهة والانتظار

الحركة: تعاود الاقتراب من جسد أمها، ثم تقف وتنظر إلى السماء.

البنت: تذكرين عندما تجاسر أبن أخيك المدمن للمخدرات تقدم لطلب يدي منك، فقد كان يرى أنهُ بذلك الفعل يضع الشمس في باطن يدي والقمر في الكف الأخرى، كَونه سيحقق حلم البشرية.. التي تتسلق نظراتها جسدي فكأنها النار الحارقة المنبعثة من مناجم الحسد.

يا صاحبة الناي.. أين أنتِ هذا المساء؟ هل ملت روحك مجالستي؟ هل شاخت روحك؟ هل فقدت براعتك في العزف؟ هل شغلتك الأيام عني؟ هل قرع قلبك قيس؟ هل زارك جميل بثينة؟ هل حلمتي بروميو وجولييت؟ هل فقد قلبك عذرية وأنتِ تعزفين الحب ولا تتعرفين عليه؟ هل ذاب قلبك من نار حماقات العشاق؟ هل رحلتِ دون وداع؟

يا صاحبة الناي بحق العشرة والسنوات الخوالي لا تصاحب أحداً يثقل قلبك بالنزوات. يا صاحبة الناي أين وجهت؟ يا صاحبة الناي: لماذا لا اسمع صوت أنفاسك اليوم تداعب قلبي المثخن بسهام الغدر، والخيانة، والحرمان، والخذلان.

فالزوج غدر وخان والحبيب الذي ظهر في ربيع العمر، العهد الذي لا زلت احتفظ به في خانة الذكريات أحرقني بنار الحرمان والخذلان والأمل غاب ما أن أودعت جثمان أمي التراب.

يا صاحبة الناي أنت الوحيدة التي تعلمين جيداً أنني لم أعد قادرة على الحركة كثيراً ولم أعد قادرة على الرؤية بوضوح والطفلة التي أنجبت ذات يوم رحلت مع فارسها على ظهر حصان أبيض له أجنحة حتى يحضروا مسرحية الحب الأبدي في بلاد العجائب أما أنا فبقيت هنا وحدي قابعة على الكرسي المتحرك على أمل أن أسمع صوتك يا صاحبة الناي.

النهاية
الصوت: صوت ناي حزين.
الإضاءة: إظلام تدريجي حتى العتمة الكاملة.

 

مسعدة اليامي

كاتبة محتوى ثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.