نعش أبيض

نعش أبيض
الكاتبة/ زايده علي حقوي
لسنواتٍ، وإبراهيم ينتظر هذا اليوم. أعدّ لكل شيء، واستعدّ لكل تفصيلة؛ حجز القاعة، ورتّب تفاصيل زفافه بحبّ طفولته، وبذل أيامًا من وقته في التجهيز لليلة العمر، حتى بات الحلم قريبًا.
وقبل الموعد المنتظر بأيامٍ قلائل، ذهب ليختار أجمل الأقمشة لثوب عرسه؛ فلا بدّ أن تراه جوهرته في أبهى حلّة، فتبرق عيناها دهشةً، ويزهر الفرح في ملامحها.
وصل إلى الخيّاط، وأخذ مقاساته، وأكّد عليه ألّا يتأخر في إنجاز الثوب. كان قلبه يرقص في صدره، يكاد يخرج منه فرحًا. غادر المكان وهو يحدّث نفسه:
«أخيرًا، سأمسك يدكِ يا حبيبة الفؤاد، وأرقص معكِ تحت أضواء الفرح».
لكنّ ما أربك خططه حدث؛ فقد سبق نداءُ الوطن موعدَه المنتظر. وما كان منه إلا أن هبّ مسرعًا ليلتحق برفاقه، ويقف معهم شامخًا، حصنًا منيعًا يذود عن أرضه ويحمي ترابها.
وفي الجهة الأخرى، كانت العائلة قد اكتملت، وبدأ الاجتماع، فيما ظلّ هاتفه صامتًا، لا تصل إليه المكالمات، ولا تجد إليه رسائل القلق طريقًا.
وفي خضمّ المواجهة، انتبه إبراهيم إلى التاريخ، فتذكّر موعده الذي انتظره طويلًا. استأذن رفيقه ليغيب دقائق، أراد خلالها أن يهاتف والدته، ويخبرها بأنه سيأتي، ويطمئنها ألّا يقلقوا عليه، وأن يستمروا في تجهيزاتهم.
لكنّ رصاصةً غادرةً سبقته؛ فها هو عريس الليلة يعود في نعشٍ أبيض، محمولًا على أكتاف الأحبّة.
وحين وصل إلى حضن والدته، لم يكن منها إلا أن زغردت لعريسها، ثم أقبلت على ثوبه الذي اختاره، وغطّته به.
هنيئًا لك يا إبراهيم بالجنّة، ولأمّك الصبر والسلوان.
كاتب رأي

