أعرف مَن أنا… وكفى

أعرف مَن أنا… وكفى
بقلم حنان السبهان
أعرف مَن أنا، ولذلك لا أفتش عن صورتي في عيون الناس، ولا أترك قيمتي معلقة على ألسنتهم. أؤمن بربي، وأعرف نفسي، وقد دفعت من عمري ثمن هذا الثبات. لم أصل إلى هنا لأن الطريق كان سهلًا، بل لأنني كنت، في كل مرة، أختار النهوض، وأمنح روحي حقها في الحياة.
ثقتي بالله هي الأرض التي أقف عليها حين تضطرب الأرض من حولي. حين تضيق الأسباب، يبقى يقيني به واسعًا، وحين يعجز قلبي عن فهم ما يحدث، أستودع الله أمري وأمضي. أؤمن أن الابتلاء لا يسلبني مكانتي عند ربي، وأن وراء صبري أجرًا، وأنني أستطيع، بعونه، عبور ما ظننته يومًا فوق احتمالي.
أما الكلام الذي يقال خلف ظهري، فلن أسمح له بأن يصرفني عن وجهتي. لست مطالبة بأن أطرق كل باب لأصحح حكاية، أو أستنزف عمري في ملاحقة الظنون. أعرف صدق نيتي، وأزن أفعالي بضميري، وأدع المواقف تكشف حقيقة الأمور. قد يطول الكلام، لكن كثرة ترديده لا تصنع منه حقيقة؛ فما يصح إلا الصحيح.
أنجح لنفسي؛ لأنني أعرف كم سهرت، وتعبت، ومسحت دمعتي، ثم خرجت أؤدي واجبي وكأن قلبي لم يتعب. أنجح لأفي بوعد قطعته لنفسي: أن أصون قدراتي، وألا أصغّر أحلامي لتناسب حدود الآخرين. يسعدني الثناء الصادق، لكنني لا أتوقف إن غاب، ولا أحتاج إلى تصفيق كي أعرف أن خطوتي تستحق الفخر.
أنا فخورة بذاتي، وبما تعلمته، وبما تجاوزته، وبالخير الذي حافظت عليه رغم قسوة بعض التجارب. أعتز بعقلي حين يسأل، وبروحي حين تترفع، وبجمالي الداخلي حين يظهر في كلمة رحيمة أو موقف نبيل. لا أعتذر عن حضوري، ولا أخفض صوت موهبتي كي يرتاح من يزعجه أن تكون لي بصمة.
ولست نسخة تمشي خلف القطيع؛ لي رأي أختبره، وفكرة أنضجها، وطريق أختاره بوعي. أستمع، وأتعلم، وأراجع نفسي إذا أخطأت؛ فالثقة تمنحني شجاعة التصحيح، ولا تسلبني إياها. وفي كلماتي تتجلى حريتي في التفكير، ورهافة إحساسي، وجرأتي على الحلم. أكتب كما أنا: امرأة تعرف وجهتها، وتملك قرارها، وتعتز بما تؤمن به.
مررت بظروف لو رويتها كاملة لفهم كثيرون لماذا أعتز بوقوفي اليوم. غير أنني أحتفظ بحق بعض أوجاعي في الستر، ولا أعرض جراحي طلبًا لشهادة استحقاق. يكفيني أن الله يعلم، وأنني أعرف كم مرة تماسكت حين لم يرني أحد. في كل اختبار تعلمت شيئًا، واكتشفت في نفسي قوة لم أكن أعرفها.
وكل كلام أراد أصحابه أن يعرقلوا به مسيرتي، أضعه تحت قدمي وأكمل؛ فلا أمنحه مقعدًا في قلبي، ولا سلطة على مستقبلي. لي وقت أثمن من الخصام، وطاقة يستحقها حلمي. وإذا احتجت إلى صون حقي، صنته بوضوح وكرامة، ثم عدت إلى حياتي؛ فلا يليق بي أن أقيم طويلًا عند عتبة إساءة.
أقف ثابتة، شامخة، عزيزة النفس. أختلف بفكري، وبروحي، وبالطريقة التي أصنع بها من التجربة معرفة ومن الخيبة بداية. لا أقيس تميزي بانتقاص أحد؛ لي مساحتي التي أملؤها بعملي، ولي اسمي الذي أريد أن يكون جديرًا بي. أحمل طموحي بمحبة، وأفتح للغد قلبي، وأمشي إليه بخطوات تزداد ثباتًا.
سأمضي بثبات، وما زال في روحي الكثير مما يستحق أن يولد. سأكتب، وأتعلم، وأنجز، وأفرح بما أصنع. سأمنح أحلامي فرصتها، وأحفظ لنفسي مكانتها، وأصنع أيامي بما يليق بكرامتي وطموحي. واخترت موقعي: وجهي نحو الحياة، ويدي تعمل، وقلبي معلق بالله. أعرف مَن أنا، وأعرف ما أستطيع، ولن أعيش عمري منتظرة أن يأذن لي أحد بأن أتألق.
كاتبة رأي
