نحن لا نتعب

نحن لا نتعب
في آخر الليل، حين يهدأ البيت، وتخفت الأصوات، وتغلق النوافذ على يومٍ آخر، هناك شخص ما لا يزال مستيقظًا.
ليس لأنه لا يريد النوم، بل لأن رأسه لم يتعلم بعد كيف يطفئ نفسه.
يقلب هاتفه، يضعه جانبًا، يعيد ترتيب الغطاء، يتنهد، يتذكر شيئًا نسيه، يقلق من شيء لم يحدث، ثم ينظر إلى الساعة وكأن بينه وبينها خصومة قديمة.
وغدًا، حين يسأله أحدهم:
كيف حالك؟
سيجيب، دون تردد:
بخير.
هكذا ببساطة.
وكأن كلمة «بخير» صارت المفتاح السري الذي نغلق به كل الأبواب التي لا نرغب في فتحها.
الغريب أننا لا نتعب فجأة.
لا نستيقظ صباحًا فنجد أنفسنا منهكين بلا مقدمات.
نحن نتعب بالتقسيط.
قليل من النوم اليوم، وقليل من القلق غدًا، وموعد نضيفه إلى موعد، ومجاملة لا نرغب فيها، وعمل نحمله معنا إلى البيت، ورسالة نجيب عنها ونحن لا نملك طاقة للكلام، ثم نبتسم ونقول:
الأمور طيبة.
وهي ليست طيبة تمامًا.
لكننا أصبحنا بارعين في التظاهر بأن كل شيء يمكن احتماله.
حتى أجسادنا بدأت تتعلم لغة الصمت.
صداع يمر.
أرق يتكرر.
كتف ثقيل.
مزاج يتغير.
رغبة مفاجئة في العزلة.
ولا أحد ينتبه.
حتى نحن.
لأننا مشغولون بما يكفي كي لا نلاحظ أننا بدأنا نغيب عن أنفسنا.
أحيانًا أجلس متأملة وأتساءل:
متى أصبح الإنسان الذي لا يتوقف محل إعجاب؟
متى صار الذي يعمل حتى الإنهاك أكثر قيمة من الذي يعرف متى يهدأ؟
ولماذا نشعر بالذنب عندما نرتاح، وكأن الراحة شيء ينبغي الاعتذار عنه؟
قد تكون أمًا أنهت يومها وهي لم تجلس عشر دقائق كاملة.
أو أبًا ينتقل من مسؤولية إلى أخرى وهو يحمل في داخله قلقًا لا يتحدث عنه.
أو معلمًا يغادر المدرسة وتغادر معه عشرات الوجوه والأسئلة إلى البيت.
أو شابًا يفتح هاتفه كل يوم، فيرى نجاحات الآخرين، فيشعر وكأنه متأخر عن سباق لم يختر الدخول فيه أصلًا.
كل هؤلاء قد يبدون بخير.
وهنا تكمن الحكاية.
فالإنسان لا يُرهق فقط بما يفعله، بل بما يكتمه أيضًا.
بكل «لا بأس» قالها وكان هناك بأس.
وبكل «عادي» قالها والموضوع لم يكن عاديًا.
وبكل مرة أجّل فيها نفسه إلى نهاية القائمة.
ثم انتهت القائمة… ولم يصل إليها.
ربما لا نحتاج إلى مزيد من النصائح.
ولا إلى جداول جديدة لإدارة الوقت.
نحتاج فقط أن نتذكر أننا بشر.
أن اليوم الذي لم ننجز فيه كل شيء ليس يومًا ضائعًا.
وأن الجلوس بصمت ليس كسلًا.
وأن إغلاق الهاتف أحيانًا ليس هروبًا.
وأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى سبب عظيم ليستريح.
يكفي أنه تعب.
أكثر ما يخيفني في الإنهاك أنه لا يدخل حياتنا بصوت مرتفع.
لا يطرق الباب.
لا يعلن وصوله.
إنه يتسلل بهدوء، يومًا بعد يوم، حتى يأتي صباح عادي جدًا، فننظر إلى أنفسنا ونقول:
متى أصبحت بهذا التعب؟
والإجابة غالبًا بسيطة:
منذ وقت طويل.
لكننا كنا مشغولين جدًا… لدرجة أننا لم ننتبه.
بقلم: حنان السبهان
