كُتاب الرأي

وطنٌ لا نغادره حين نسافر

وطنٌ لا نغادره حين نسافر

في طفولتي، كنت أظن أن الوطن هو المكان الذي نعيش فيه، وأن حدوده تنتهي عند آخر بيت في الحي، وأن الطريق الذي يأخذنا بعيدًا عنه يأخذنا إلى عالم آخر، ثم كبرت، وسافرت، واكتشفت أن الوطن لا يبقى خلفنا حين نغادره، بل يسافر معنا أينما ذهبنا واغتربنا، ونحن نحمله في لهجتنا التي تظهر فجأة حين نلتقي بغريب يشبهنا، وفي أسماء المدن التي نبتسم عندما نسمعها، وفي رائحة القهوة والهيل، وفي صوت الأذان، وفي ذاكرة البيوت التي لا نحتاج إلى خرائط كي نعود إليها، وفي قلوبنا وقلوب أحبتنا، فهم كذلك وطنٌ لنا ونحن وطنٌ لهم..

وحين يسألنا أحدهم: من أين أنت؟

لا نجيبه باسم مكان فحسب..

سنفتح له بابًا على تاريخ كامل، ونقول: من السعودية، من الأراضي المقدسة، من التاريخ العتيق الذي يمتد إلى أول الحضارات التي نشأت على وجه الأرض، كيف لا والبيت الحرام هو أول بيتٍ وُضِعَ للناس في عصر سيدنا آدم عليه السلام، مهد البشرية، ويستمر هذا في امتداده للمستقبل المشرق وبرؤية متجددة، الوطن أرض نولد عليها، لكنه كذلك الأرض التي تمنح ولادتنا معنى الانتماء، والمكان الذي تتشكل فيه ذاكرتنا الأولى، وتكبر فيه أحلامنا وطموحاتنا، ونتعلم فيه أن لنا جذورًا تمتد أعمق من أعمارنا، إلى الماضي والمستقبل، فكلنا في شجرة واحدة تحمل الوطن بقلبها..

اليوم الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام وبداية برج الميزان، لن يكون يومًا عابرًا في التقويم، وإنما حكاية وطن توحّد بعد فرقة واجتمعت أجزاؤه تحت راية واحدة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، المؤسس البطل العظيم، وكانت تلك الوحدة بداية رحلة طويلة، بُنيت فيها المدن والطرق وتأسست المؤسسات والكيانات، وبُني معها شعور الإنسان بأن هذه الأرض، على اتساعها وتنوعها، بيت واحد يجمعنا كلنا..

من جبال جازان إلى سهول نجد، ومن سواحل البحر الأحمر إلى شواطئ الخليج، ومن صحارى الشمال إلى مرتفعات الجنوب، تتعدد الملامح واللهجات والعادات، لكننا حين ننظر إلى الراية الخضراء نعرف أن هذا التنوع كله ينتمي إلى حكاية واحدة، ولأن الوطن ليس صورة نعلّقها على الجدار، فإن محبتنا له لا تكتمل بالكلمات وحدها، لا بد معها من الأفعال التي يدعمها الحب والانتماء..

نحبه حين نتقن أعمالنا، وحين نحافظ على مدرستنا وشارعنا، وحين نحترم النظام، وحين نمد أيدينا لمن يحتاج إلينا، وحين نترك المكان الذي مررنا به أجمل مما وجدناه، وحين يكون المعلم أمينًا على عقول طلابه، والطبيب أمينًا على مرضاه، والمهندس أمينًا على ما يبنيه، والطالب أمينًا على مستقبله، فالوطن ينهض بأحلامنا وبما نفعله من أجل تلك الأحلام لنمهد الطريق للأجيال القادمة..

واليوم، ونحن نشهد التحولات التي تعيشها المملكة، والمشروعات التي تمتد من الأرض إلى الفضاء، ندرك أن المستقبل عمل نشارك في صناعته جميعنا، وأن كل إنجاز كبير يبدأ بإنسان آمن أن بإمكانه أن يضيف شيئًا، ولو كان صغيرًا، إلى وطنه، فلا تقل ماذا قدم لي الوطن، بل قل ماذا سأقدم للوطن..

يا وطننا العزيز، لسنا بحاجة إلى أن نعدك بأننا سنحبك، فالمحبة تسكننا منذ عرفنا أسماءنا الأولى، لكننا نحتاج أن نجعل هذه المحبة جديرة بك، وأن نكون أكثر علمًا، وأكثر وعيًا، وأكثر إخلاصًا، وأن نحمل قيمنا معنا ونحن نمضي نحو العالم، فلا نفقد جذورنا ونحن نفتح نوافذنا للمستقبل..

وفي يومك المجيد يا وطني، نتذكر من وحّد هذه الأرض، ونقدّر ونحب الملوك الذين بنوها وحموها، وندعو الله أن يحفظ بلادنا وقيادتها وشعبها، وأن يديم عليها الأمن والاستقرار والازدهار.

كل عام والسعودية وطنٌ يجمعنا..

وكل عام ونحن نكبر، ويكبر معنا شعورنا بأن الانتماء لا يعني فقط ما نقوله عن الوطن، إنما هو ما يراه الوطن فينا من أثر لا يزول..

كاتب رأي 

 

 

وليد قادري

أديب سعودي وكاتب رأي وقاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.