صحوة متأخرة

صحوة متأخرة
وليد قادري
(1)
لم أكن أعرف أنني سأواجه نفسي بهذه الطريقة، حين داهمتني لحظات من الصحوة الروحية كما يسمونها..
إن كان سبق لك أن وقعت في حفرة بلا قرار، تنتظر الارتطام بجحيم هيديس، أو سكان جوف الأرض، أو حتى اللب المصهور الذي لا تنجو منه المعادن، فستفهم شعوري حينها..
كانت فترة تفجرت فيها المشاعر والأحاسيس والذكريات وكأنها تريد أن تتطهر مني وأتطهر منها، ومعها طفت جروح الطفل الداخلي لتنكأ نفسها بلا إرادة مني..
عاودتني ذكريات المرض وخيبات الأمل ودروس العلاقات، وما بين هذه الحالة وبين الغربة والوقوف على حافة الاكتئاب، الذي كاد أن يعيدني حتمًا للوقوع في ذات الحفرة، بينما كانت جحافل الشياطين بالقاع تستميت لأن ترد اعتبارها بعد هروبي من قبضتهم..
ولكن فجأة، جاءت التباشير والإلهامات الإلهية، وفُتحت بصيرتي، وكأنني أرى العالم لأول مرة على حقيقته الأولى، تماما كما يراه الوليد لحظة ولوجه للدنيا قبل أن يصرخ إعلانًا لحضوره. وأدركت أنني أولد من جديد في كل مرة أواجه نفسي بشجاعة، وأن النفس تحتاج للضياع أحيانًا لتجد نفسها مجددًا، وتخوض نزالًا آخر في حلبة الحياة..
وبدأت أفقد قيمة الأشياء، وكأن قلبي ناله الجمود فجأة وفقد قيمته..
(2)
قد تفقد شخصاً، وطناً، ذكرى، ألم هذا الفقد لا يعدل خسارة قيمته بداخلك وما يعنيه لك..
الأمر يشبه انتقال (قارون) بكنوزه إلى كوكب بعيد يتعامل بعملة (الاكيوليبرويم) المشع، ويهدي شعبه حجر (البالاردي) الكريم لنسائه ويخزن الطاقة (الفوتونجمية) من السماء لتسيير الحياة، أما ذهب (قارون) هناك وياقوته وسطوته وسمعته كأغنى أغنياء الزمان في كوكبنا فلم تعد لها قيمة..
وكانت المحصلة انضمام (الفقر) إلى (الوحدة) و (الاكتئاب) و(الميول الانتحارية) و(اليأس) كعقوبات بديلة فرضتها (الكارما) على (قارون) في عالم يجهله سكانه ولا يعرف فيه أحداً..
الأشخاص والأشياء أصبحت عندي ككنوز (قارون)، في كوكب يشبهني ولا يعيرها أي أهمية تذكر..
وصنعت لنفسي ميثاقًا..
(3)
أولاً:
وماذا لو خسرت الناس وكسبت نفسك؟!
سلامك الداخلي أهم من أي شيء
أولًا كذلك:
إن فضفضت قالوا (وسع صدرك) و (طنش) و(أنت حساس)
لكن في المرة القادمة لا تعبر عن ضيقك
اصطحب من قام بمضايقتك من يده إلى الباب وأقفله خلفه لأبد الآبدين..
أولًا وأخيرًا:
أقولها صادقًا..
لا أحد يؤمن بما قلته لك أعلاه طالما ليس هو المعني به
ولا أحد يعنيه ضيقك
حقًا أقولها
لا أحد يهتم
بما فيهم قارئ هذه الأسطر..
(4)
لذلك ستنضج حينًا
وتبتلع عتبك وتسارع بحذفه قبل أن يصل..
وتنضج أكثر
فتؤمن بأن العتب لا يعيد الأمور كما كانت
وتتقبل أن الحياة إن أغلقت بابًا
فارمِِ المفتاح واخترِ أبوابًا أرحب..
ثم تصل لقمة النضج
فتوقن بأن الأشخاص مسؤولون عن اختياراتهم وقراراتهم
حتى إن لم تكن من ضمنها
فتحفظ الود وتتجاهل الإساءة
وتنسى معها الذكريات بما فيها ومن فيها..
وكأنك على عتبة ولادة جديدة ترى الحياة كطفل مليء بالأسئلة الكونية..
كاتب رأي
