أسامينا

أسامينا
وليد قادري
هل مرّ عليك موقف ما، تقابل فيه شخصًا بالصدفة في مكان عام أو مناسبة، وبينما أنت تعرفه يقينًا لأن مساراتكم تقاطعت في دراسة أو عمل أو هواية قبل أعوام، وتتحدث معه بحماس وترحب به، تصطدم بأنك نسيت اسمه، وتشعر بالحرج لذلك..
ذات الشيء يحدث مع الأشياء، مكان، أغنية، لون، فيلم، شخصية روائية، قطعة أثاث، شجرة، طائر، سمكة، نجمة، نعرفها ونتذكر شكلها وأين رأيناها وكيف ومتى، ولكن ننسى اسمها..
وهنا تساؤل يطرح نفسه: لماذا نحتفظ بملامح الآخرين والأشياء، بينما ننسى الأسماء ؟!
بل قد ننساها وهم معنا وأمامنا بسبب انشغال أذهاننا في مهمة أخرى، كما حدث لي قبل نشر هذا المقال مع رئيس تحرير صحيفتنا (آخر أخبار الأرض) الأستاذ محمد الفريدي، الذي استمر يناديني بإبراهيم طيلة محادثتنا، إلى أن نبهته لذلك، حيث أرجع السبب لكثرة المحادثات والمهام ولا لوم عليه..
وهنا موقف حدث معي وقد يحدث لغيري كما أظن..
شخص في أحد المعسكرات الكشفية كان يناديني (قادري)، وفي أحد الفعاليات المصاحبة طلب مني بياناتي فسأل مباشرة عن اسم الوالد فقلت له (إبراهيم)، والجد فأخبرته بالاسم (قادري)، فكتب على الورقة (قادري إبراهيم قادري)، ابتسمت وبينت له أن اسمي (وليد إبراهيم قادري) وأن ما كتبه هو الاسم الثلاثي لجدّي، ضحك وقال لي لكن لا يبدو عليك أنك (وليد)، يشبهك اسم (قادري) أكثر، ابتلعت حديثه في صمت ولم أدخل في نواياه، فأنا مؤمن بأن اسمي (وليد) يدل على التجدد الدائم والبدايات الجديدة..
من يقرر أن الاسم يشبه صاحبه؟!
أنت؟ أهلك الذين اختاروه؟ الآخرون؟
أم السنوات التي عشتها تحت هذا الاسم؟
هل الاسم هنا ثابت أم متغير بحسب موقعه
ووجهات نظر من يقابله؟!
هل الاسم يحملنا ام نحمله؟!
وهل الاسم رمز نطلقه على شيء ما
أم هو جزء من الجوهر؟!
لنتعمق أكثر في أسئلة الأسماء، فالتساؤلات هذه المرة أعمق من إجابات نلتقطها من قارعة الطريق..
ماذا عن نظرة الأشياء لنا، في علم اللغة الدال يدل على المدلول واللفظ يدل على المعنى، وهذا يسري على جميع اللغات، وبداية ذلك في ظني قبل حضورنا في الأرض عندما علم الله سبحانه وتعالى سيدنا آدم كل الأسماء..
ماذا لو عكسنا المنظور هنا؟!
هل هناك اسم يطلق علينا من وجهة نظر حيوان أو شجرة أو حتى مخلوق فضائي غير كلمة (إنسان)؟!
وماذا عن كون الأشياء تحمل أيضًا أسماء مختلفة تبغًا لتغير اللغة أو زمن استخدامها، وماذا عن تعدد المسميات لنفس الصفة أو الظاهرة أو الشيء أو المكان؟!
من البديهي القول بأن الاسم هو تبيان للغموض وتفسير للكيان ومفتاح للولوج، إنه البوابة الرحبة التي ندخل منها لعالم هذا الشخص أو الشيء، وهو التعريف الذي نطلقه عليه حتى نميزه وسط زحام الذاكرة..
فهل أعيننا، كفاحنا، قصتنا، مشاعرنا، وجهات نظرنا، أنماط تفكيرنا هي من تجعل للاسم قيمة تميزه؟!
أم بالمقابل الاسم يميز فينا الكيان والهوية والانتماء؟!
لقد تجاوزت وظيفة الاسم من الكيان إلى الجغرافيا حيث أصبحنا نعرف من اسم الشخص المكان الذي أتى منه والنماذج كثيرة، وكأن الانسان يحمل وثيقة تاريخية مع اسمه لمكان ولادته..
يذكرني ذلك بمن غيروا أسمائهم لطرافتها أو غرابتها أو لأنهم غيروا عقيدتهم، فهل بالمقابل غيروا هويتهم التي ولدوا بها؟!
وقد تتجاوز كذلك للطبع والصفة مثل كريم، حنان..
لكن ماذا لو كانت تصرفاتك عكس اسمك وتسيء لمعناه؟!
أو تسيء للمكان الذي قدمت منه؟!
ألا يعني ذلك تحملك مسؤولية اسمك؟!
وكأن له سلطة عليك لا تستطيع تجاوزها..
وهذا ما حرص عليه الرسول ﷺ في وصيته لحسن اختيار الأسماء وأن خيرها ما حُمّد وعُبّد..
والشيء بالشيء يذكر، لله المثل الأعلى في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ونحن نذكره في كل حين باسمه (بسم الله الرحمن الرحيم)، مما يقودني لظاهرة البحث عن اسم الله الأعظم الذي كان سرًّا من الأسرار الكبرى في كتب الأولين..
فمثلًا في سلسلة روايات هاري بوتر، الشخصيات تخاف من (الذي لا ينبغي أن يُذكر اسمه)، وهذا يستند لمعتقد معروف في العلوم الباطنية حيث أن معرفة الاسم الحقيقي لكيان ظلامي ما قد تجعله في خدمتك، دليل قوة الاسم حتى في غيابه، ودليل كذلك على أننا قد ننسى أعمالًا أدبية عظيمة وننسى حتى مؤلفيها لكننا نتذكر اسم الشخصية..
ثم ماذا لو ولدت في زمن مختلف وفي مكان مختلف؟!
هل سأحتفظ باسمي؟!
نعود لتساؤلاتنا الكثيرة أعلاه ونختصرها في ثلاثة محاور:
علاقة الاسم بالذاكرة، علاقته بالآخر ونظرته لنا، وعلاقته بنا كرمز للهوية والوجود..
وأدعوكم للتفكير بها والبحث وأختم بتساؤل غريب:
ماذا لو نسي العالم الأسماء؟!
هل سنفقد شيئًا؟!
هل سيتوقف البحر عن كونه بحرًا أو سيختفي الحب أو ستنسى أن هذه أمك، وهذه مدينتك التي ولدت بها، أو يتوقف اللون الأخضر عن الظهور لأننا نسينا المرج والغابة..
لن يتوقف شيء على الأغلب ولن يفقد معناه وهويته، ولكن الوعي البشري الذي ميزنا الله به، والأسماء التي ميّز الله بها أبونا وسيدنا آدم عليه السلام دونًا عن بقية خلقه، والذي لم يتعلم مهارات الحياة أولًا بل الأسماء..
لكن الشيء المؤكد هو أن وعي الإنسان سيقوده لإعادة تسمية العالم، وأن الاسم عنوان لصاحبه وزمانه ومكانه وكذلك أسماء الأشياء هي عنوان الحضارة والتطور، ولولا ذلك لما استطعنا أن نبتكر ونخترع ونضيف ونكتب ونبدع لقدرتنا على منح أسماء جديدة، وأن اختلافنا على كثير من الظواهر الكونية لهو اختلاف على المسمى أكثر من اختلافنا على طريقة ملاحظتنا الظاهرة ذاتها..
أختم بأغنية فيروز التي أثارت فيّ كل هذه التساؤلات:
” أسامينا، شو تعبوا أهالينا
تَ لاقوها، وشو افْتَكَروا فِينا
الأسامي كلام .. شو خَصّ الكلام
عينينا هِنِّي أسامينا”..
كانب رأي
