آفاق في عين العالم

البرد اشتد

البرد اشتد

وليد قادري

مع أنني أكتب هذا المقال في مفترق الطرق بين الصيف والخريف لكنه ليس حنينًا للشتاء بل لشيء آخر..

قبل أن تبدأ القراءة، توجه لليوتيوب -أو التكتوك إن رغبت بنسخة أقصر- وابحث عن هاتين الأغنيتين:

الأولى لفرقة ABBA

أغنية (Voulez Voux)

والثانية إعلان قديم لثوب الدفة

أغنية (البرد اشتد)

خذ وقتك يا صديقي سأنتظرك وأكمل قهوتي السوداء..

***

كتابة وموسيقى وقهوة سوداء..

صورة نمطية متكررة للمثقف أليس كذلك؟!

أعدك أن المقال ليس عن هذا أيضًا..

حدثني الآن عن مشاعرك بعد الاستماع للأغنيتين سواء كنت من ذلك الجيل الذي عرفها بالطفولة أو أنك لم تسمعهما من قبل، أما لو كنت متحفظًا على الموسيقى – وهذا حقك- فلتكتف بهذا القدر فما سأكتبه بعد هذا المقطع لن يضيف إليك شيئًا..

ما الذكريات هنا سوى صور ذهنية مغمورة بالعاطفة، وفي حالتنا هنا مشحونة بالحنين والموسيقى..

في أول مرة سمعت أغنية ABBA، كنت منبهرًا بشدة بأغانيهم، اقتنيت شريط كاسيت من استريو الخيالة بجانب سوق المحمل في جدة -من عرف مكان الاستريو فهو مخضرم في عوالم الأفلام والموسيقى- ثم استمتعت إلى الشريط مرارًا وتكرارًا في رحلة العودة إلى جيزان وأظن ذلك في نهاية التسعينات الميلادية وأنا في المرحلة الجامعية، إلى أن حفظت معظم الأغاني، وخاصة

I have a dream

Mamma Mia

Fernando

لكن هناك أغنية لم يفارقني لحنها وأظنك تعرف ماذا أقصد..

إنها أغنية Voulez Voux

والتي تعني (هل ترغبون؟!) بالفرنسية

كنت أعيد اللحن في رأسي كما يفعل أكثركم حينما يعلق لحن ما ويأبى المغادرة بسلام، واستمر ترديدي للأغنية من فترة لأخرى وأنا متأكد أن شيئًا ما يربط هذا اللحن بطفولتي..

كان هذا قبل عصر اليوتيوب ومع بداية دخول القنوات الفضائية التي غيرت وجه التلفزيون والموسيقى مع وجود قنوات الفيديو كليب المتخصصة لكنني لم أكن أتابع كثيرًا القنوات المهتمة بالأغنيات الغربية القديمة مثل VH1 و MTV وغيرها بقدر اهتمامي بقنوات الأفلام وقتها على قنوات أوربت وشوتايم المشفرة قبل اندماجهما في OSN..

بعدها بعام تقريبًا في آخر أيام دراستي في جامعة الملك خالد بعسير -كان اسمها فرع جامعة الملك سعود بأبها في ذلك الوقت- كنت أذهب لسوق خميس مشيط بشكل دوري لشراء أشرطة فيديو فارغة بالجملة لأسجل عليها الأفلام التي تعجبني من القنوات المشفرة، لفت انتباهي لوحة محل مستلزمات رجالية مكتوب عليها (ثوب الدفة)- وكان هذا شيئا نادرا تلك الفترة وأقصد وضع منتج ما على لوحات المحلات- وفجأة قفزت أغنية إعلان مختبئة منذ الطفولة بداخلي:

البرد اشتد

والشتا بقى جد

أعمل إيه

نندفى

نتدفى بثوب الدفة

يلا نجيب ثوب الدفة

مهما البرد اشتد اشتد، ثوب الدفة يدفي بجد

كان صاحب محل الإلكترونيات يخاطبني بخصوص أشرطة الفيديو ويطلب مني المبلغ وأنا ساهم وشارد في عالم آخر لا يسكن فيه سوى أنا واللحن..

وجاء السؤال المعكوس:

“أين سمعت لحن ثوب الدفة من قبل؟!”

يومها نسيت أغنية ABBA ولم أكن أعلم أين وصل شريط الفرقة حيث إن سيارتي كانت مشاعة للأصدقاء وكل الأشرطة متاحة للاستعارة عدا أشرطة فيروز..

لم تكن هناك وسيلة لمعرفة الرابط بين الأغنيتين وقتها لأن القنوات لا تعرض ما نريده في التو واللحظة، وفقدت الاهتمام مع الوقت بهذا الموضوع، الذي رغم أنه بسيط إلا أنه فتح لي أبوابًا كثيرة مستقبلًا..

كنت في عام 2018 في مدينة جوهور الماليزية، قبل خوضي رحلة الدراسات العليا، أقضي جل وقتي في مشاهدة المسلسلات والأفلام القديمة ومنها فيلم Mamma Mia الذي كنت أشاهد إعلانات مسرحيتها في برودواي لكن لم أفكر في دخولها ولو مرة..

بعد مشاهدتي للفيلم، تذكرت الأغنية وفتحت تطبيق اليوتيوب واستمعت للأغنية الأصلية وتذكرت إعلان ثوب الدفة واستمعت إليه أيضًا، لم أكن أتمالك نفسي كأنني طفل وجد لأول مرة الرابط بين حركة القمر والأشهر الهجرية..

وكان السؤال الذي سألته نفسي حينها:

يا ترى كم أغنية إعلان في طفولتنا أو مقدمة برنامج كانت في الأساس أغنية مشهورة؟!

وانهمر السيل..

بحثت عن الكثير من الأغنيات وأصولها وهنا بعض الأمثلة:

موسيقى خلفية الأخبار السعودية فيها العديد من مقاطع سيمفونيات موزارت..

موسيقى مقدمة مباريات كرة القدم في فترة الثمانينيات والتسعينيات الميلادية هي ذاتها أغنية فرقة

The Tremeloes

Hey my little lady

موسيقى مقدمة برنامج المصارعة الحرة والتي كان يعلق عليها إبراهيم الراشد هي من أغنية مايكل جاكسون الشهيرة Thriller

موسيقى الرحابنة مأخوذة من كثير من الألحان الأوروبية واللاتينية

أغنية عبد الحسين عبدالرضا في بساط الفقر

هي الأغنية الهندية Tum Pyaari Sadiki

أما أغلب مقدمات برامج القناة الثانية وأفلام الكرتون مثل توم وجيري وبينك بانثر وLooney Tunes

فقد كانت تغذية سمعية فاخرة لجيلنا ونحن لا نعرف أسماء الألحان المستخدمة…

واستمرت اكتشافاتي من هذا النوع في ليالي جوهور لأصطدم بحقيقة أبهرتني،  من يا ترى كان هؤلاء الذين كانوا يثرون ذائقتنا الموسيقية في فترة صبانا، ويختارون أعمالًا عالمية لا نعرفها، والتي عرفناها عندما كبرنا، فكلمة شكرًا لهم لا تفيهم حقها..

عندما كبر وعينا، اكتشفنا أن عالم طفولتنا الصغير كان متصلًا بأماكن وأزمنة وثقافات لم نكن نعرفها وكنا نستمع إلى العالم ونحن صغار دون أن ندري..

ولم نعرف ذلك إلا عندما كبرنا واستمعنا للعالم..

كاتب رأي 

 

 

وليد قادري

أديب سعودي وكاتب رأي وقاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.