بيان قيمة التعليم والتعلم لرفعة الإنسان

بيان قيمة التعليم والتعلم لرفعة الإنسان
وليد قادري
في إحدى المدارس الليلية، يجلس رجل تجاوز الأربعين أمام كتابه، يحاول أن يقرأ جملة تعثرت عندها عيناه. يعيد المحاولة، ثم يرفع رأسه نحو المعلم ويسأله عن كلمة لم يفهمها. ربما كان قد أمضى نهاره في عمل شاق، وربما تنتظره في المنزل أسرة ومسؤوليات كثيرة، لكنه اختار أن يمنح نفسه هذه الساعات القليلة، وأن يعود إلى مقعد الدراسة بعد سنوات من الانقطاع.
في ذلك المشهد شيء يستحق التأمل؛ إنسان يملك من تجارب الحياة ما لا تمنحه الكتب وحدها، ويأتي إلى المدرسة ليضيف إلى خبرته معرفة جديدة. يحمل معه ما تعلمه من العمل والناس والسنين، ويعود كل مساء وفي يده مفتاح آخر يفتح به بابًا من أبواب العالم.
التعليم يمنح الإنسان القدرة على القراءة والكتابة والحساب، ثم تتسع آثاره لتصل إلى تفاصيل حياته اليومية. يستطيع أن يقرأ تعليمات دوائه، وأن يفهم عقدًا قبل توقيعه، وأن يتابع شؤون أبنائه الدراسية، وأن يستخدم التقنية بثقة أكبر، وأن يبحث عن معلومة يحتاج إليها دون أن ينتظر من يشرحها له. ومع كل مهارة يكتسبها، تتسع مساحة اختياره وقدرته على الاعتماد على نفسه.
وقد يظن بعض الناس أن العمر يضع حدًا للتعلم، بينما تخبرنا الحياة أن الإنسان يظل قادرًا على اكتساب معرفة جديدة ما دام لديه فضول ورغبة في المحاولة. الطفل يتعلم ليكتشف العالم، والكبير يتعلم وقد صار لديه عالم كامل من التجارب يستطيع أن يربط المعرفة به. لهذا تكون العودة إلى الدراسة تجربة مختلفة؛ فالكلمة التي يقرأها الدارس قد تتصل بعمله، والمسألة الحسابية قد تذكّره بتجارته، والدرس الذي يسمعه قد يفتح له فهمًا جديدًا لموقف عاشه منذ سنوات.
وللمعلم في تعليم الكبار دور يتجاوز شرح المقرر. إنه يستقبل أشخاصًا تختلف أعمارهم وخبراتهم وظروفهم، ويمنح كل واحد منهم فرصة أن يتقدم وفق قدرته. قد يحتاج أحدهم إلى وقت أطول لقراءة فقرة، وقد يتردد آخر في الإجابة خشية الخطأ، وهنا تصبح الكلمة المشجعة والصبر واحترام التجربة الإنسانية جزءًا من التعليم نفسه. فالمتعلم الكبير يأتي إلى المدرسة حاملًا تاريخًا من المسؤوليات والنجاحات والتعثرات، ويستحق أن يجد مكانًا يقدّر رحلته ويعينه على مواصلتها.
وترتفع قيمة التعليم حين ينتقل أثره من الفرد إلى من حوله. الأب الذي يتعلم يصبح أقدر على متابعة أبنائه، والعامل الذي يطوّر مهاراته يضيف إلى جودة عمله، والإنسان الذي يقرأ ويفكر ويسأل يشارك في مجتمعه بوعي أوسع. وهكذا تمتد المعرفة من مقعد صغير في فصل دراسي إلى الأسرة والعمل والحي والوطن.
وقد جعلت المملكة العربية السعودية التعليم من ركائز بناء الإنسان وتنمية المجتمع، وفتحت أبوابه لمختلف المراحل العمرية، إيمانًا بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس المستقبل. وتأتي مدارس تعليم الكبار امتدادًا لهذه الرسالة، فتمنح من فاتتهم فرصة الدراسة أو انقطعوا عنها طريقًا للعودة، وتؤكد أن الرغبة في التعلم تستحق أن تجد من يحتضنها ويعينها على الاستمرار.
إن رفعة الإنسان تبدأ حين يدرك أن لديه دائمًا ما يمكن أن يتعلمه، وأن المعرفة تضيف إلى كرامته وثقته وقدرته على المشاركة في الحياة. وكل خطوة يخطوها نحو العلم تفتح أمامه احتمالًا جديدًا، وتمنحه فرصة أن يرى نفسه والعالم من زاوية أوسع.
إلى كل دارس يعود مساءً إلى مدرسته بعد يوم طويل: إن حضورك رسالة إلى أبنائك وإلى من حولك، تقول إن الإنسان يستطيع أن يواصل النمو في أي مرحلة من عمره، وأن الطريق الذي يبدأ بحرف قد يمتد إلى حياة كاملة من المعرفة والإنجاز.
وإلى كل معلم يفتح باب الفصل لهؤلاء الدارسين: أنت تشارك في بناء فرص جديدة، وتساعد إنسانًا على أن يضيف فصلًا آخر إلى حكايته.
فلتبقَ مدارسنا أبوابًا مفتوحة للمعرفة، ولتبقَ رغبتنا في التعلم حية، نكبر بها ونرتقي، ونمنح وطننا من علمنا وعملنا أثرًا يستحق أن يبقى.
(بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية)
كاتب رأي
