سيكولوجية خلق الذعر بنيران المسك

سيكولوجية خلق الذعر بنيران المسك
في الصراعات السياسية والأمنية الحديثة، لم تعد القوة الظاهرة وحدها ترسم ملامح المواجهة، فقد انتقلت المعركة إلى مساحة أكثر عمقًا: مساحة الإدراك والثقة والقدرة على التماسك. فحين يعجز الخصم عن حسم المواجهة بالقوة المباشرة، قد يبحث عن مساحات أخرى تؤثر في وعي المجموعة وتقديراتها، وتدفع أفرادها إلى إعادة النظر في بعضهم، وفي خططهم، وفي قدرتهم على الصمود أمام الضغوط المتصاعدة، هنا تبدأ سيكولوجية الذعر من نقطة دقيقة: الثقة. فتماسك أي مجموعة سياسية أو أمنية أو عسكرية يعتمد بدرجة كبيرة على ثقة أفرادها في القيادة، وثقة القيادة في أدواتها، وثقة الجميع في وضوح المعلومات التي تصل إليهم. وحين تدخل الشكوك إلى هذه المنظومة، تتغير طبيعة القرار؛ يصبح كل تحرك محل تساؤل، وكل معلومة قابلة للتأويل، وكل اختلاف في التقدير مدخلًا لقراءة أوسع من حجمه الحقيقي.
لا يحتاج الخصم في هذه الحالة إلى اختراق البنية الداخلية بصورة مباشرة؛ يكفي أن يدفعها إلى مراقبة نفسها. حين يبدأ الفرد في البحث عن مصدر الخلل داخل مجموعته، وحين ينشغل القادة بتفسير مواقف بعضهم، وحين تتحول الخلافات الطبيعية إلى مؤشرات على وجود أزمة أعمق، تبدأ طاقة المجموعة في التآكل من الداخل. عندها يصبح الخصم الخارجي أقل حاجة إلى استخدام قوته؛ لأن المجموعة نفسها تستنزف جزءًا من قوتها في الشك والاحتياط والقلق.
وتزداد خطورة هذا الأسلوب حين يستثمر نقاط التباين القائمة أصلًا. فكل مجموعة تحمل في داخلها اختلافات في الرؤية والمصلحة والتقدير، وكلما أحسن الخصم قراءة هذه الاختلافات، استطاع أن يجعلها أكثر حضورًا في الوعي الجمعي. وقد يبدأ الأمر بإشارة صغيرة، أو معلومة ناقصة، أو رواية متناقضة، ثم تتوالى التأويلات حتى يصبح الخلاف أكبر من موضوعه، ويصبح القلق أقوى من الحقيقة، وفي هذه المرحلة يتغير سلوك المجموعة تدريجيًا. تتعدد مراكز التفسير، وتتناقض القراءات، ويزداد التحفظ في تداول المعلومات، ويتراجع الشعور بالأمان الداخلي. كل طرف يبدأ في حماية موقعه، وقد يرى في تحرك الطرف الآخر احتمالًا يستدعي الحذر. وهنا يتحول الاختلاف من ظاهرة طبيعية داخل أي منظومة إلى عامل ضغط نفسي يؤثر في وحدة القرار.
إن أخطر ما في صناعة الذعر أنها لا تحتاج دائمًا إلى رسالة صريحة تقول للخصم: «أنتم في خطر». يكفي أحيانًا أن تتكاثر الأسئلة دون إجابات مقنعة. من يعرف؟ من أخفى المعلومة؟ لماذا تغير الموقف؟ لماذا جاء التصريح بهذه الصيغة؟ ماذا يحدث خلف الأبواب المغلقة؟ ومن يملك القرار الحقيقي؟ كل سؤال يفتح بابًا جديدًا للشك، وكل شك يحتاج إلى تفسير، وكل تفسير قد يصنع شكًا آخر.
ومع تراكم هذه الحالة، يبدأ الخصم في مواجهة نفسه أكثر مما يواجه خصمه. تصبح الطاقة السياسية والأمنية موزعة بين متابعة التهديد الخارجي ومراقبة التفاعلات الداخلية، وتتحول الخطط من أدوات للفعل إلى موضوع دائم للمراجعة والقلق. وفي لحظة معينة قد يصبح الحفاظ على التماسك الداخلي هدفًا بحد ذاته، بعد أن كان التماسك وسيلة لتحقيق أهداف أكبر، وهنا تظهر قيمة تفكيك الخطط بوصفها واحدة من أخطر أدوات التأثير في الصراعات؛ فحين يفقد الخصم القدرة على قراءة الصورة الكاملة، تتحول الخطة الواحدة إلى أجزاء منفصلة، ويتعامل كل طرف مع الجزء الذي يراه أمامه، فتتراجع وحدة الرؤية وتتباعد التقديرات. وقد يؤدي ذلك إلى قرارات متعارضة، أو إلى بطء في الاستجابة، أو إلى تضارب في الأولويات.
ولا يقف الأمر عند حدود الخطة؛ فالخصم الذي يعاني اضطرابًا في المعلومات قد يبدأ في تضخيم المخاطر الصغيرة وتقليل أهمية المخاطر الحقيقية. وهنا تصبح المشكلة أعمق من الخوف ذاته؛ لأن الذعر يعيد ترتيب الأولويات، ويدفع الإنسان والجماعة إلى اتخاذ قرارات تحت ضغط الاحتمالات بدلًا من الوقائع.
وفي عالم السياسة، تستطيع الرسالة الواحدة أن تحمل أثرًا يتجاوز مضمونها المباشر. تصريح محسوب، تحرك دبلوماسي، موقف اقتصادي، تغير في الخطاب، أو إشارة أمنية؛ كلها عناصر تدخل في عملية قراءة متبادلة بين الأطراف. وحين يفتقد الخصم القدرة على تفسير هذه الإشارات ضمن صورة متماسكة، قد يملأ الفراغ بتقديراته الخاصة، وهنا تبدأ مساحة واسعة أمام القلق والتوجس، لكن المسؤولية السياسية تفرض فهم هذه الأدوات ضمن إطار أوسع؛ فالصراع الحقيقي لا يقوم على نشر الخوف وحده، وإنما على إدارة الوعي، وحماية التماسك، وامتلاك القدرة على التحقق من المعلومات، وضبط الرسائل، ومنع الخصم من تحويل الاختلاف الطبيعي إلى انقسام استراتيجي؛ ولهذا فإن قوة الدول والجماعات لا تظهر في امتلاك أدوات التأثير وحدها، وإنما في قدرتها على حماية بنيتها الداخلية من أثرها. القيادة المتماسكة تعرف أن أخطر اللحظات تبدأ عندما يصبح أفرادها أسرى للتفسير، وأن أفضل حماية للقرار تكمن في وضوح المعلومات، وسرعة التحقق، وانضباط الاتصال، وثبات المؤسسات؛ فالذعر حين يدخل مجموعة متماسكة من الخارج قد يجد أمامه جدارًا من الثقة، أما حين يجد داخلها شكوكًا متراكمة، فإنه يجد بيئة قابلة للاشتعال. وعندها لا يحتاج الخوف إلى قوة كبيرة؛ يكفيه أن يجد سؤالًا بلا إجابة، ومعلومة بلا مصدر، وخلافًا بلا إدارة، وقيادة تعجز عن تقديم رواية واضحة ومقنعة.
ومن هنا يمكن فهم «نيران المسك» بوصفها صورة رمزية لنيران ناعمة في ظاهرها، عميقة الأثر في نتائجها؛ لا تستهدف الجسد مباشرة، وإنما تستهدف القدرة على التفكير الهادئ، وتدفع المجموعة إلى استنزاف ذاتها في البحث عن الخطر ومصدره وحجمه. إنها معركة تجعل الخصم يستهلك قوته في الداخل، بينما يحتفظ الطرف الآخر بمساحة أوسع للحركة والمبادرة.
ومع ذلك، فإن أخطر خطأ يمكن أن تقع فيه أي منظومة سياسية هو أن تمنح خصمها القدرة على تحديد إيقاعها النفسي. فحين يصبح القلق هو الذي يحدد القرار، تتحول القوة إلى رد فعل، وتصبح الخطط رهينة للظروف، ويتراجع الفعل الاستراتيجي أمام ضغط اللحظة.
لذلك يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول. الوعي الذي يفرق بين الحقيقة والاحتمال، وبين الاختلاف والانقسام، وبين المعلومة والشائعة، وبين التحذير المشروع ومحاولة صناعة الهلع. وكلما امتلكت المجموعة هذه القدرة، ضاقت المساحة التي يستطيع الخصم التحرك فيها داخل وعيها.
إن تفكيك الخصم من الداخل لا يبدأ دائمًا من إسقاط مؤسساته أو تعطيل خططه؛ قد يبدأ من إضعاف ثقته بنفسه. وحين يفقد الخصم يقينه بقدرته على قراءة الأحداث، يبدأ التصدع في بنيته النفسية والسياسية. أما المجموعة التي تحافظ على ثقتها، وتراجع معلوماتها، وتدير اختلافاتها بعقلانية، وتفصل بين الخلاف والتفكك، فإنها تحرم خصمها من أهم أدوات الحرب النفسية: أن تجعل الخوف يتحدث بلسان أفرادها، وأن تجعل الشك يدير قراراتها.
وهنا تكمن خلاصة المسألة: المعركة قد تبدأ خارج الصفوف، لكنها تحسم أحيانًا داخلها؛ ومن ينجح في حماية تماسكه الداخلي يحرم خصمه من تحويل الخوف إلى قوة، والشك إلى انقسام، والارتباك إلى هزيمة.
علي بن عيضة المالكي
كاتب رأي
