دروس من الواقع

دروس من الواقع
بعد خمسة وعشرين عامًا في الميدان التربوي، وبين ميادين العمل، والعلاقات الإنسانية، وتقلبات الحياة، أدركت أن الواقع يكتب دروسه بحبر التجربة، وأن الأيام تمنح الإنسان من الفهم ما تعجز عن منحه آلاف الصفحات. فما من موقف مررت به إلا وترك في النفس أثرًا، وما من اختبار واجهته إلا وأضاء زاوية كانت غائبة عن البصر. ومع تعاقب الأعوام تبيّن لي أن الحياة لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، وإنما تزيح ستارًا بعد آخر، حتى تقف الحقائق في وضح النهار، فلا يبقى للنوايا موضع تختبئ فيه.
أيقنت أن الإنسان في بدايات العلاقات يرى الناس بقلب يميل إلى الصفاء، فيستقبل الكلمات بثقة، ويمنح الود مساحته، ويغلب حسن الظن على أحكامه. ثم تبدأ الأيام في رسم الصورة الكاملة، فتتكلم المواقف بصوت أوضح من العبارات، وتصبح الأفعال اللغة التي لا تعرف التجميل. عندها يدرك المرء أن الثقة تُبنى موقفًا بعد موقف، وأن الزمن يملك ميزانًا دقيقًا يضع كل إنسان في المكان الذي صنعه لنفسه.
وإذا كانت العلاقات تكشف معادن النفوس، فإن ميادين العمل تمنح تلك المعادن فرصة الظهور بصورة أكثر وضوحًا، لأن المسؤولية تمتحن الضمائر قبل القدرات.
لقد أكدت لي الأيام أن الأخلاق لا تتجلى عند تبادل المجاملات، وإنما تظهر عندما تتقاطع المصالح، وتتوزع المسؤوليات، ويقترب النجاح من أبواب أصحابه. هناك تتهاوى الأقنعة كما تتساقط أوراق الخريف أمام أول ريح صادقة، ويظهر الكريم في عدله وإنصافه، بينما تنكشف النفوس التي أخفت خلف الابتسامة حسابات أخرى.
كما برهنت لي التجارب أن بيئات العمل تفرز الرجال كما تفرز النار الذهب الخالص. رأيت من استنزف عمره في تتبع أخطاء الآخرين، ورأيت من جعل كل يوم فرصة لإتقان عمله، وتطوير أدواته، وصناعة أثره. ومع مرور الوقت استقرت الموازين في مواضعها، لأن الإنجاز الصادق يشبه النخلة؛ تمتد جذوره في الأرض بصمت، ثم ترتفع قامته حتى يراها الجميع.
ومع اتساع دائرة النجاح، يبدأ امتحان من نوع آخر، فكل تميز يلفت الأنظار، وكل أثر جميل يوقظ في بعض النفوس مشاعر لم تُهذبها القيم.
في حين كشفت لي الحياة أن المؤامرات تبدأ همسًا في الزوايا، ثم يحاول أصحابها أن يحولوها إلى ضجيج، ظنًا منهم أن كثرة الأصوات تغير الحقائق. غير أن الحقيقة أشبه بالشمس؛ قد تحجبها غيمة لبعض الوقت، ثم تشرق من جديد، فتبدد كل ظلال الوهم. ولهذا كان الهدوء في مواجهة تلك المحاولات صورة من صور القوة، وكانت الحكمة درعًا يحمي صاحبها من الانجراف إلى معارك تستنزف العمر.
كم رأيت من اجتمعوا لإيقاف نجاح إنسان، فإذا بمحاولاتهم تفتح أمامه أبوابًا لم تكن في حسبانه، وكم شاهدت من أرادوا إطفاء نور غيرهم، فإذا بذلك النور يزداد انتشارًا، لأن القيمة الحقيقية تفرض حضورها دون استئذان.
وحين تتضح أسباب تلك المحاولات، يكتشف الإنسان أن كثيرًا منها لا تصنعه المنافسة الشريفة، وإنما تغذيها نفوس أرهقها ضيق الأفق.
ترسخ في يقيني أن الحسد لا يعلن عن نفسه، وإنما يغيّر ملامحه كلما احتاج إلى ذلك؛ مرة في هيئة نصيحة، ومرة في ثوب اهتمام، ومرة تحت شعار الحرص على المصلحة العامة. ومع تراكم الخبرات تصبح البصيرة أكثر صفاءً، فيتعامل الإنسان مع الجميع بأدب، ويمنح كل شخص قدره، دون اندفاع، ودون أن يفرط في قراءة الإشارات التي تضعها الحياة أمامه.
غير أن مواجهة هذه المواقف تحتاج إلى عقل يسبق العاطفة، لأن الانفعال يفتح أبوابًا كان الأولى أن تبقى مغلقة.
فيما استقر في نفسي أن الرد على الإساءة لا يكون دائمًا بالكلمات. فكثير من المواقف يكون الإنجاز فيها أبلغ من الخطب، ويكون الخلق الرفيع أعمق أثرًا من أي جدال. فالإنسان الواثق من رسالته يواصل طريقه بثبات، ويجعل جودة عمله تتحدث عنه، حتى تتحول محاولات التعطيل إلى درجات يرتقي بها نحو أفق أوسع.
ومهما بلغت حكمة الإنسان في إدارة المواقف، تبقى بعض الحقائق مؤجلة إلى أن يحين أوان ظهورها.
أيضا لكي لا أنسى تبيّن لي أن الوقت غربال لا يحتفظ إلا بالحقيقة، أما الزيف فيتساقط منه مهما طال بقاؤه. فقد يمر الإنسان بمواقف يُساء فهمها، أو تُنسج حولها روايات بعيدة عن الواقع، ثم تمضي الأيام، فإذا بالوقائع تتحدث وحدها، ويأخذ كل أمر مكانه الطبيعي. ومن هنا ازداد اقتناعي بأن الصبر في كثير من المواقف قرار يصنعه العقل قبل المشاعر.
وعندما تنكشف الحقائق، يواجه الإنسان سؤالًا آخر: كيف يحافظ على كرامته، ويصون أخلاقه في الوقت نفسه؟
ومع مرور الزمن ازددت يقينًا أن الصفح قوة، وأن الحزم قوة أيضًا، وأن الحكمة تكمن في معرفة الموضع الذي يليق بكل منهما. فالتسامح يسمو بالإنسان عندما يجد قلبًا يقدره، ووضع الحدود يحفظ الكرامة عندما تتكرر التجاوزات، وعندها يصل الإنسان إلى مرحلة يتعامل فيها مع كل موقف بميزان العدل، فلا يظلم أحدًا، ولا يسمح لأحد أن يظلمه.
ومن هنا يبدأ البناء الحقيقي للشخصية، فالمواقف تمضي، ويبقى أثر القيم في النفوس كما يبقى عبق المطر في الأرض بعد انقضاء السحابة.
فيما أعتقده يقينًا صريحًا فإنني استخلصت من صفحات العمر أن النجاح الحقيقي لا تصنعه الموهبة وحدها، وإنما تصنعه شخصية تعرف كيف تصبر، وكيف تتزن، وكيف تتخذ القرار في وقته، وتحفظ مبادئها مهما تبدلت الظروف. فالرياح قد تهز الأغصان، غير أنها تعجز عن اقتلاع الشجرة التي امتدت جذورها في أعماق الأرض.
عندها خرجت بخلاصة راسخة أن الإنسان كلما اتسعت تجاربه، ازداد هدوءًا، واتسعت رؤيته، وأصبح أكثر انشغالًا ببناء أثره، وأقل التفاتًا إلى الأصوات التي تحاول إبطاء خطواته. فالناس ينسون كثيرًا من الكلمات، بينما يبقى العمل الصادق شاهدًا على صاحبه ما بقي أثره.
واليوم، عندما أسترجع صفحات تلك الرحلة، أوقن أن كل موقف صعب كان يبني في داخلي قوة جديدة، وأن كل خيبة كانت تهذب الفكر، وتوسع الأفق، وتمنحني قدرة أكبر على فهم الناس والحياة. لذلك أصبحت أؤمن أن الانتصار الحقيقي يتحقق بعقل راجح، ونفس مطمئنة، وعمل متقن، وخلق ثابت، لأن الأيام تمتلك ميزانًا لا يميل، وتعيد لكل إنسان مكانته التي صنعها بيده.
هذه هي دروس الواقع؛ دروس لا تمنحها القاعات، ولا تحفظها المذكرات، وإنما تنقشها الحياة في صفحات العمر، لتبقى زادًا لكل من أراد أن يسير بالحكمة، ويواجه التحديات بالاتزان، ويجعل من كل تجربة بداية جديدة نحو نضج أعمق، وأثر أبقى، وحياة أكثر إشراقًا.
علي بن عيضة المالكي
كاتب رأي

