كُتاب الرأي

*الخليج… عندما تتغير قواعد الردع* .

*الخليج… عندما تتغير قواعد الردع* .

*تقدير موقف استراتيجي* .

*الأربعاء ( 8 ) يوليو 2026م .*

*إعداد* اللواء البحري الركن المتقاعد /  عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

【1】 *الموقف العام .*

لم يعد السؤال الاستراتيجي في الخليج يدور حول إحتمال اندلاع مواجهة عسكرية، بل حول طبيعة النظام الأمني الذي سيتشكل بعد إنقضاء هذه الأزمة. فالحروب الكبرى لا تعيد توزيع موازين القوى فحسب، وإنما تعيد صياغة قواعد الردع التي تستقر عليها الأقاليم لعقود طويلة.

وتشير المعطيات والمؤشرات والدلائل العسكرية منها..، والسياسية إلى أن الخليج يشهد تحولا نوعيا في بيئة الأمن الإقليمي، بعد اتساع مسرح العمليات ليشمل الممرات البحرية، وأمن الطاقة، والقواعد العسكرية، والمنشآت الحيوية، بما يؤشر إلى انتقال المنطقة من إدارة الأزمات إلى إعادة تشكيل منظومة الردع الإقليمي.

وتكتسب هذه القراءة أهمية إضافية في ضوء التطورات الأخيرة، بعد تعرض ناقلة تحمل علم المملكة العربية السعودية، وناقلة غاز قطرية، وسفينة تجارية ثالثة للاستهداف في محيط مضيق هرمز، مع إمتداد التهديدات إلى البيئة الأمنية في البحرين والكويت، الأمر الذي يؤكد أن أمن الخليج أصبح جزءا من مسرح العمليات، ولم يعد مجرد محيط جغرافي للصراع.

【2】 *الموقف العملياتي* .

يرتكز الجهد الرئيس للقوات الأمريكية على استعادة حرية المبادأة، وتأمين خطوط المواصلات البحرية، والمحافظة على سلامة منظومة القيادة والسيطرة، وحماية القواعد العسكرية، وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة، مع تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

وفي المقابل، يعتمد النظام الإيراني على إستراتيجية العمليات غير المتماثلة، عبر توظيف الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات البحرية غير التقليدية، ودعم التنظيمات ( الإرهابية ) المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به ، بالإضافة إلى عصابات الجريمة الدولية المنظمة ، بهدف استنزاف الخصم، وإطالة أمد العمليات، ورفع كلفتها العسكرية والسياسية، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل الممرات البحرية والمنشآت الاقتصادية.

ويؤكد مسار العمليات أن مركز الثقل لم يعد يقتصر على القوات المتحاربة، بل امتد إلى أمن الملاحة، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، بما يعكس تغيرا جوهريا في طبيعة الصراع.

【3】 *التقدير الاستراتيجي* .

يؤكد هذا التقدير أن أخطر ما أفرزته الأزمة الحالية ليس حجم الخسائر العسكرية، وإنما انتقال الخليج العربي من مرحلة الردع المستقر إلى مرحلة الردع المتغير، حيث أصبحت حرية الملاحة، وأمن الطاقة، وسلامة البنية التحتية الاستراتيجية، أهدافا مباشرة للصراع.

كما تؤكد الوقائع أن استهداف السفن التجارية وناقلات الطاقة يمثل تحولا خطيرا في قواعد الاشتباك، ويؤشر إلى محاولة توسيع مسرح العمليات ليشمل الاقتصاد العالمي، وهو ما يفرض إعادة تقييم شاملة لمفاهيم الأمن البحري، وحماية خطوط المواصلات الاستراتيجية، وقواعد الردع في الخليج العربي .

【4】 *ميزان القوة ومركز الثقل .*

يميل ميزان القوة العملياتية بوضوح إلى الولايات المتحدة، بفضل تفوقها في القيادة والسيطرة والاستخبارات والقوة الجوية والبحرية. أما النظام الإيراني فيواصل الاعتماد على الاستنزاف والعمليات غير المتماثلة والوكلاء الإرهابيين المسلحين لتعويض الفجوة في موازين القوة التقليدية وإطالة أمد الصراع.

*ويتمثل مركز الثقل للمملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي الأخرى في وحدة القرار السياسي، وحماية السيادة الوطنية، وأمن الممرات البحرية، واستمرار تدفق الطاقة، بينما يتمثل مركز الثقل الإيراني في المحافظة على القدرة على ممارسة الضغط غير المباشر عبر أدواته الإقليمية.*

【5】 *الانعكاسات الاستراتيجية* .

يرجح هذا التقدير أن تتجه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي إلى مرحلة أكثر تقدما من التكامل الدفاعي، تشمل تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وتعزيز القدرات البحرية، ورفع كفاءة القيادة والسيطرة، والإنذار المبكر، والاستخبارات المشتركة، بما يرسخ مفهوم الردع الجماعي، ويزيد من متانة الأمن الخليجي في مواجهة التهديدات المستقبلية.

【6】 *الحكم الاستراتيجي .*

يؤكد هذا التقدير أن الخليج العربي دخل بالفعل مرحلة إعادة تشكيل قواعد الردع، وأن العودة إلى البيئة الأمنية التي استقرت لعقود أصبحت أقل احتمالا، بعدما تجاوزت المواجهة حدود الاشتباك العسكري إلى إعادة تعريف معادلات الأمن الإقليمي.

كما يؤكد هذا التقدير أن النظام الإيراني يتحمل المسؤولية القانونية الدولية، والاستراتيجية والسياسية الرئيسة عن اتساع مسرح العمليات، نتيجة نهج أستمر منذ عام 1979، قام على تصدير الأزمات، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم وتسليح وتمويل التنظيمات ال الإرهابية المسلحة العابرة للحدود، واستخدامها أدوات لفرض النفوذ والإكراه السياسي والعسكري. وقد أدى هذا النهج إلى تقويض الثقة الإقليمية، وتهديد الملاحة الدولية، وتعريض أمن الطاقة العالمي لمخاطر متكررة، وتحويل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط إلى ساحات صراع واستنزاف، الأمر الذي أضر بمصالح شعوب المنطقة، وأعاق فرص التنمية، ورفع كلفة الأمن والاستقرار.

*وفي المقابل، أثبتت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي أن الحكمة الاستراتيجية والانضباط السياسي يمثلان الركيزة الأساسية لحماية الأمن الإقليمي، إذ تمسكت بسياسة التهدئة، ورفضت الانجرار إلى المواجهة، مع الحفاظ على جاهزية قواتها المسلحة، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وترسيخ التعاون الخليجي، بما جعلها نموذجا للدولة المسؤولة التي تجمع بين قوة الردع ورجاحة القرار.*

ومن المرجح أن تقود هذه الأزمة إلى نتائج استراتيجية معاكسة لما سعت إليه سياسات النظام الإيراني، عبر تسريع بناء منظومة دفاع خليجية أكثر تماسكا، وتعزيز الشراكات الأمنية الدولية، وتوسيع الحضور البحري، وتقليص هامش المناورة الاستراتيجية الذي اعتمد عليه هذا النهج طوال العقود الماضية.

*إن الحروب قد تعيد توزيع موازين القوى، لكنها لا تبني وحدها نظاما أمنيا مستقرا. أما الذي يصنع المستقبل فهو الردع الرشيد، والقيادة الحكيمة، والقوة التي تحمي السلام والاستقرار والأمن والإزدهار لكامل الإقليم والمنطقة ولا تجعل منه رهينة للصراع.*

*هذا وبالله التوفيق والسداد.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.