كُتاب الرأي

*إلى أين الاتجاه؟*

*إلى أين الاتجاه؟*

*رؤية تحليلية*

تولد بعض المواجهات من خلاف سياسي، وتنتهي بتغيير عسكري محدود. لكن هناك مواجهات أخرى تكشف تحولا أعمق من ميادين القتال نفسها. والمواجهة الأمريكية – الإيرانية الراهنة قد تكون من هذا النوع.

فخلف الضربات العسكرية والتوترات البحرية وحسابات الردع، برزت حقيقة أخذت تتشكل بهدوء خلال السنوات الأخيرة؛ أن العالم بدأ يبتعد تدريجيا عن مرحلة كانت القوة العسكرية فيها الوسيلة الرئيسة لصناعة النفوذ، ويتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدا تتداخل فيها الطاقة والتقنية والاقتصاد والمعلومات وسلاسل الإمداد مع عناصر القوة التقليدية.

ولهذا قد لا يتوقف المؤرخون مستقبلا كثيرا عند عدد الصواريخ التي أطلقت أو المواقع التي استهدفت، بقدر ما سيتوقفون عند ما كشفته هذه المواجهة من تغير محتمل في طبيعة الصراع نفسه.

فعلى امتداد عقود طويلة سادت في الشرق الأوسط معادلات قامت على الأيديولوجيا والتعبئة والصراع المفتوح وإدارة الأزمات. غير أن الوقائع المتراكمة تشير إلى أن البيئة الدولية والإقليمية أصبحت أقل استعدادا لتحمل هذا النمط من الصراعات، وأكثر ميلا إلى حماية الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والممرات البحرية والتدفقات التجارية العالمية.

ولا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن حصيلة ما يقارب نصف قرن من السياسات التي انتهجها النظام الإيراني منذ عام (1979). فقد قامت تلك السياسات على تصدير الأزمات إلى خارج الحدود، وتوسيع النفوذ عبر التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به، وتغليب المشروع الأيديولوجي على متطلبات الاستقرار الإقليمي. وأسهم هذا النهج في استنزاف الموارد، ورفع كلفة الأمن، وتعقيد مسارات التنمية، وإدخال أجزاء واسعة من الشرق الأوسط في دوائر متكررة من التوتر وعدم اليقين.

*ومن هنا يبرز السؤال الذي قد يشغل المنطقة سنوات طويلة: إلى أين الاتجاه؟*

الاتجاه في تقديري لا يقود إلى نهاية الصراعات، فالصراع جزء من حركة التاريخ، لكنه قد يقود إلى تغير مركز الثقل فيها. فالقوة التي كانت تقاس بحجم السلاح وحده أصبحت تقاس أيضا بالقدرة على حماية الاقتصاد، وتأمين الممرات، وامتلاك التقنية، وصناعة المعرفة، واستشراف المستقبل.

أما الشرق الأوسط، فقد يكون واقفا عند أحد المنعطفات النادرة التي لا يتكرر عبورها كثيرا في التاريخ. فالدول التي تحسن قراءة الجغرافيا وتحويلها إلى فرصة اقتصادية واستراتيجية تبدو أكثر قدرة على التأثير في العقود القادمة. أما الدول التي تستمر في استهلاك طاقتها في صراعات الأمس فقد تكتشف أن التاريخ واصل سيره من دون انتظارها.

وإذا كانت المواجهات تقاس بنتائجها، فإن الاتجاه الظاهر اليوم يشير إلى إنتقال تدريجي من مرحلة كانت فيها الأيديولوجيا والصراعات الممتدة أدوات رئيسة لصناعة النفوذ، إلى مرحلة تتقدم فيها حسابات الإقتصاد والطاقة والتقنية والإستقرار بوصفها أدوات القوة الأكثر تأثيرا. وقد يكون هذا التحول أبطأ مما يظهر على السطح، لكنه قد يكون من أكثر التحولات رسوخا في تاريخ المنطقة الحديث.

وقد يكتشف المؤرخون بعد عقود أن أهم ما أنتجته المواجهة الأمريكية – الإيرانية لم يكن تغيرا في الخرائط ولا تبدلا في مواقع القوات، بل ربما كانت إحدى الإشارات المبكرة إلى تراجع نموذج سياسي وأمني ارتبط لعقود بتصدير الأزمات، وتوظيف الوكلاء، واستخدام التنظيمات الإرهابية المسلحة العابرة للحدود كأدوات نفوذ وتأثير، مقابل صعود نموذج آخر تقاس فيه القوة بقدرة الدولة على البناء أكثر من قدرتها على التعطيل، وعلى صناعة الإستقرار أكثر من قدرتها على إدارة الأزمات.

فالمنطقة لا تخرج من مواجهة فقط… بل قد تكون خارجة من طريقة قديمة في فهم القوة.

*وقد يكون أعظم ما كشفته المواجهة أن اللاعبين ما زالوا على الطاولة نفسها، لكن اللعبة لم تعد هي اللعبة.*

*وقد يختلف الناس سنوات طويلة حول من ربح هذه المواجهة ومن خسرها، لكنهم قد يتفقون يوما على أن أهم نتائجها لم تكن في الميدان، بل في اللحظة التي بدأت فيها أفكار قديمة تفقد قدرتها على تفسير الواقع، بينما كانت أفكار جديدة تشق طريقها بهدوء نحو المستقبل. فالتاريخ لا يتحرك حين تنتصر قوة على أخرى فحسب، بل حين تفقد الأفكار القديمة قدرتها على قيادة المستقبل، وتفسح الطريق لأفكار أكثر انسجاما مع حركة الزمن واتجاهه.*

【*حين تتغير قواعد اللعبة يبقى الأقوياء في مواقعهم… أما الحكماء فيدركون أن اللعبة نفسها قد تغيرت.*】

كتبه: اللواء البحري الركن م.
عبدالله بن سعيد الغامدي

*الأحد 21 يونيو 2026*

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.