كُتاب الرأي

*تهديدات طهران وجماعة الحوثي .*

*تهديدات طهران وجماعة الحوثي .*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

*الأربعاء الموافق (22) يوليو 2026م .*

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

تتحول الممرات البحرية أحيانا من جسور للتجارة إلى ساحات لاختبار موازين القوة، وعند تلك اللحظة يتجاوز أثر أي توتر حدوده العسكرية ليصبح قضية تمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار الأسواق. ومن هذا المنظور، تكتسب التطورات المرتبطة بالنظام الإيراني راعي ما يسمى بثورة الخميني سيئة الصيت وجماعة الحوثي الإرهابية أهمية تتجاوز نطاقها الجغرافي، لأنها ترتبط بأمن الخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب، وهي ممرات تمثل ركائز رئيسية في حركة التجارة الدولية.

【*الفكرة الاستراتيجية*】لا يكمن الخطر الرئيس في وقوع حادثة منفردة، بل في إحتمال تحول التهديدات المتكررة إلى واقع أمني دائم يفرض على الدول والشركات والأسواق أن تتعامل مع الملاحة البحرية باعتبارها نشاطا محفوفا بالمخاطر . وعندما يحدث ذلك، ترتفع تكاليف النقل والتأمين، وتتأثر سلاسل الإمداد، وتزداد حساسية أسواق الطاقة لأي تطور ميداني، حتى وإن كان محدودا من الناحية العسكرية.

وخلال الأعوام الأخيرة أعلنت جماعة الحوثي الإرهابية مسؤوليتها عن عدد من العمليات الغاشمة والجبانة ضد سفن وأهداف مختلفة في سياق النزاع اليمني، كما اتهمت الولايات المتحدة وعدد من الدول النظام الإيراني المقيت بتقديم أشكال من الدعم العسكري والتقني للجماعة، بينما تنفي طهران تلك الاتهامات. ويعكس هذا التباين إستمرار الخلاف السياسي والدبلوماسي، إلا أن النتيجة العملية كانت تعزيز الاهتمام الإقليمي والدولي بأمن الملاحة البحرية ورفع مستويات المراقبة والحماية في الممرات الحيوية.

ومن زاوية عسكرية بحرية، فإن حماية الممرات المائية لا تعتمد على وجود القطع البحرية وحدها، بل ترتكز على منظومة متكاملة تشمل الاستطلاع والإنذار المبكر والاستخبارات البحرية والدفاع الجوي والبحري وأمن الموانئ وتبادل المعلومات الاستخبارية ذات *( القيمة العالية الفورية )* بين الدول المتحالفة . فالردع الفعال لا يقاس بسرعة الاستجابة فقط، وإنما بقدرته على تقليل فرص وقوع التهديد قبل أن يتحول إلى أزمة واسعة النطاق.

كما أن التجارب الحديثة تشير إلى أن أي اضطراب مستمر في الممرات البحرية يفرض على الدول إعادة تقييم أولوياتها الدفاعية والاستثمار بصورة أكبر في حماية البنية التحتية الحيوية ووسائل المراقبة البحرية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الأمني مع الشركاء الإقليميين والدوليين . ويعد هذا النهج أحد أهم الدروس التي أفرزتها الأزمات البحرية خلال العقدين الأخيرين.

*وأكدت المملكة العربية السعودية في مواقفها الرسمية أهمية حماية أمن المنطقة وحرية الملاحة واحترام سيادة الدول، مع دعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد، والمحافظة في الوقت ذاته على جاهزية قواتها المسلحة للدفاع عن أراضيها ومصالحها الحيوية . ويعكس هذا التوجه الجمع بين الردع الدفاعي والعمل الدبلوماسي بوصفهما مسارين متكاملين لتحقيق الاستقرار .*

【*القيود الاستراتيجية*】 ورغم القدرات العسكرية التي تمتلكها الأطراف المختلفة، فإن قراراتها لا تصنعها الاعتبارات العسكرية وحدها ، بل تتأثر كذلك بالاعتبارات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، وبانعكاسات أي تصعيد على حركة التجارة والطاقة والاقتصاد العالمي. ولهذا فإن إدارة الأزمات في البيئة البحرية تظل أكثر تعقيدا من حسمها بالقوة العسكرية وحدها.

*الخلاصة الاستراتيجية .*

تكشف تطورات المنطقة أن أمن الخليج العربي والبحر الأحمر لم يعد شأنا إقليميا فحسب، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي . ويبدو أن المحافظة على إستقرار هذه الممرات تتطلب توازنا بين الجاهزية الدفاعية والتعاون الأمني والالتزام بالقانون الدولي واستمرار المسارات الدبلوماسية، لأن استدامة أمن الملاحة البحرية تمثل مصلحة مشتركة للدول المطلة عليها وللاقتصاد العالمي بأسره . ومن ثم فإن نجاح أي استراتيجية مستقبلية لن يقاس بعدد الإجراءات العسكرية التي تتخذ ، وإنما بقدرتها على ترسيخ بيئة مستقرة تقل فيها فرص التصعيد وتحافظ على إنسياب التجارة والطاقة بصورة آمنة ومستدامة .

*ولعل ما اتفق عليه كبار المفكرين عبر العصور أن ازدهار الدول يبدأ باستقرارها، وأن الأمن هو القاعدة التي تبنى عليها الحضارة، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تكتسب مشروعيتها إلا حين توظف في خدمة غاية سياسية تحفظ السلام وتصون المصالح وتمنع الفوضى، وأن الحكمة الاستراتيجية تقتضي الحذر من الإنجرار إلى رحى المعارك عندما تصبح كلفة اتساعها أعلى من عائدها السياسي، لأن نجاح الدول لا يقاس بإطالة الصراعات، بل بقدرتها على إحتوائها وترسيخ الإستقرار وحماية مصالح شعوبها .*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

‫2 تعليقات

  1. عزيزي سعادة اللواء
    تتحفنا يومياً بمقال هو عبارة عن ملخص بحث حول مابدو في منطقتنا، اسلوب سلس وسهل للفهم.. اشكر لك كل هذا الجهد الرائع
    ان سمحت لي بالتعليق وخاصة على التهديد الحوثي ، فسبق لنا التعامل مع القرصنه في باب المندب والتي تجمعت دول كثيرة لمحاربتها
    كنت ولا أزال أومن بأن الخطر في البحر قادم من البر،، فاذا اُحكمت السيطرة على السواحل التي يمكن إطلاق صواريخ او انطلاق قوارب مفخخه، حتماً ستنتهي تلك التهديدات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.