كُتاب الرأي

(أمريكا والحركة الحوثية)

(أمريكا والحركة الحوثية)

محمد سعد الربيعي 

ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والعالم بشكل عام يثير الكثير من التساؤلات، وخاصة ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من حرب على إيران مضى عليها ما يزيد على نصف عام دون أن تنتهي بهزيمة إيران! وزعت فيها أمريكا وقت الحرب على أيام وأسابيع وأشهر، ومُلِئَت كل تلك المدد الزمنية بتصريحات متضاربة وغير متزنة من رئيس دولة تعد نفسها القوة الأولى في العالم، وتصدرت كل تلك التصريحات، أو أغلبها، كلمات ومقابلات للرئيس ترامب، الذي تم استغلال كل تصريحاته تلك من إيران، وحولتها إلى انتصارات في ساحة المعركة، رغم كل ما واجهته من قوة ضاربة أمريكية، إلا أنها في النهاية استطاعت المواجهة ومقارعة هذه القوة الكبرى في العالم.

وقد تناولت هذه الحرب في عدة مقالات سابقة في هذه الصحيفة، ذكرت فيها أسباب ودواعي الإخفاق الأمريكي، رغم ما أشرت إليه عما تملكه هذه الدولة الكبرى من قدرات عسكرية وتقنية عالية تفوق قدرة الطرف الآخر الإيراني بمراحل كبيرة، وقد يعود ذلك للتماهي الأمريكي وعدم مصداقيتهم في الذهاب لإسقاط نظام ملالي طهران.

حاولت أمريكا جر المملكة، هي وإسرائيل، للدخول في هذا المعترك المعجون برؤية أمريكية قاصرة ومراوغة سياسية، قد يكون ما وراء الأكمة ما وراءها فيها من كل تلك المحاولات التي رفضتها المملكة من حيث المبدأ والمشاركة في الحرب، التي كانت محاولة لخلط الأوراق في المنطقة وتوريط دول الخليج، ثم الانسحاب وترك الحبل على الغارب، كما يُقال، في حرب خليجية إيرانية مفتوحة لعشرات السنين، وإضعاف دولها، وربما كانت محاولة حتى من إيران لجر المملكة للدخول في هذه الحرب، وهو ما ستكشفه قادم الأيام، ولمصلحة من كان ذلك التوريط!

حقيقةً، من ينظر إلى نتائج هذه الحرب ومناوراتها يستغرب من الجانب الأمريكي كيف يدير هذه الحرب، وهل باستطاعته مواجهة التنين الصيني أو روسيا عند نشوب معركة قادمة بين هاتين القوتين، طالما أن أمريكا عجزت عن مواجهة إيران؟ وكيف ستواجه أمريكا دولة الصين عند محاولة الثانية استرداد تايوان؟ وما القدرات التي ستستخدمها في مواجهة هذا التنين، طالما أن أمريكا في هذه الحرب تدعي نقص الأسلحة الدفاعية عن نفسها وحلفائها، وكذلك عدم قدرتها على الدفاع عن مدمراتها التي أصبحت في مرمى الصواريخ الإيرانية؟

إن ما تقوم به أمريكا من تدخل في المنطقة، وفي حرب إيران تحديدًا، التي تعهدت فيها بتغيير نظام الفقيه الإرهابي في طهران وقطع ذيوله في العالم، وبالذات في منطقة الشرق الأوسط التي تعد محل اهتمام أمريكا، ثم تحولت الحرب إلى محاولة إعادة فتح مضيق هرمز، عندما استطاعت إيران تغيير بوصلة الحرب من تغيير النظام إلى الدخول في معترك آخر لم يكن في بال واشنطن، وهي الورقة التي اختلقها نظام آيات إيران، وحوّل الحرب من حرب ضد نظام آياته إلى محاولة أمريكية لإعادة فتح المضيق، الذي عجزت عن مواجهته واشنطن إلى حد الآن، رغم ادعاءاتها غير الصحيحة بالسيطرة على هذا المضيق، الذي بقيت ورقته في يد الإيرانيين يتحكمون فيها كيفما شاؤوا!

وفي محاولة في هذا السياق المتخبط الذي تديره واشنطن، سعت مرة أخرى لاسترضاء الحركة الحوثية بالسماح للسفن الأمريكية والإسرائيلية باستخدام مضيق باب المندب دون التعرض لها! وهو موضوع مقالنا هذا.

ولعل ذلك هو ما يثير الكثير من التساؤلات عن الضعف الأمريكي أمام هذا النظام الإيراني، الذي أرعب ترامب، وأصبح يوزع اتهاماته يمنة ويسرة ضد الأصدقاء والحلفاء لأمريكا، في محاولة من ترامب للخروج من هذه الأزمة الدولية التي وضع نفسه فيها دون أن ينتصر، وهو بالتالي ما أبدى ضعف دولته أمام دولة إرهابية استخدمت الكثير من ذيول المنطقة لإخافة العالم بعمليات إرهابية منفردة.

وكان للأسف ما حدث من ضمن خطط ترامب الهزلية الضعيفة ومواجهته لأحداث هذه الحرب، وما قامت به سفارته في مسقط، وعبر مندوبين سياسيين أمريكيين، بمقابلة وفد حوثي في السفارة الأمريكية هناك، يرأسه أحد الأشخاص المدرجين على قوائم الإرهاب الأمريكية، وهو محمد عبدالسلام فليتة. وكان من ضمن ما تسرب من اللقاء رغبة أمريكا في عدم تعرض ناقلاتها والناقلات الإسرائيلية في باب المندب لاعتداءات حوثية، وهو بالطبع ما فرح به فليتة، وتعهد به من خلال اللقاء الذي يراه هو وحركته المدرجة على لوائح الإرهاب العالمية اعترافًا أمريكيًا بدور فليتة وحركته في المنطقة، وأعطى الموافقة على ذلك، رغم كل ما كانت تتصدره وتنادي به هذه الحركة بالموت لأمريكا والموت لإسرائيل!

إذن، وكتحليل مبدئي، فهل يُعقل أن تقوم دولة تعد نفسها القوة الأولى في العالم بمقابلة وفد ميليشياوي إرهابي يمثل الحركة الحوثية الإرهابية، التي زعزعت وضع دولة اليمن منذ ما يزيد على عشر سنوات، ودمرت الشعب اليمني، وأدخلته في دهاليز الجهل والظلام من خلال الصرخة المجوسية، وعمالتها المقيتة لنظام طهران الإرهابي، الذي يعد هذه الحركة الآن الذيل المهم لديه، ويراهن عليه نظام الولي الفقيه الذي حاولت واشنطن إسقاطه وعجزت، وعادت للتعامل معه ومع ذيوله؟ وخاصة بعد أن ضعف ذيل إيران في بيروت، الذي قال عنه ترامب شخصيًا إنه لا يمانع أن يتفاهم مع حزب اللات وقياداته لحل مشكلته مع الإسرائيليين، وهو الأمر الذي يدعو للريبة من ترامب كرئيس دولة عظمى، بأن يذهب إلى ما يذهب إليه من انحطاط سياسي لا يمكن بأي حال من الأحوال تبريره أو وصفه كتعامل دبلوماسي تقوده أعظم قوة في العالم.

إن تخبط أمريكا يدعو للقلق، وربما يفقدها بريقها في المنطقة التي عاشت سنوات عديدة، كانت تتوقع معها أن الولايات المتحدة الأمريكية هي صديقها المفضل، وخاصة عندما تحتاج إليها دول المنطقة، ولكن ذلك البريق بدأ في الخفوت الذي يديره ساسة أمريكا في البيت الأبيض، دونما أن تكون لهم النية الصادقة في التعامل مع هذه الدول وغيرها.

وتأسيسًا على ذلك، وما يحدث في اليمن، الذي ربما سنفرغ نهاية المقال له، وما يدور من هذه الحركة الحوثية الإرهابية من تدمير للشجر والحجر في هذا البلد من أجل السيطرة عليه، وعلى ضوء ما ظهر للشرعية التي تقود اليمن منذ أكثر من عشر سنوات، وعما إذا أصبح لديها تراكمات سياسية وخبرات عسكرية تأكدت منها هذه الشرعية، أنه لا بد من الحزم في الأمر، وألا تقف مكتوفة الأيدي في ظل شعب يتعدى عدد سكانه ثلاثين مليونًا، أمام حركة عرقية دينية مجوسية عفنة لا تتجاوز مئات الآلاف. أقول: لا بد للشرعية من حزم أمرها وفرض سيطرتها على اليمن، وعلى كل يمني مخلص التشمير عن ساعديه للوقوف مع دولة اليمن، التي يجب إبعاد كل حزبي عنها، سواء من الإصلاح أو من مكونها الزيدي، الذين عُرف عنهم عبر التاريخ خيانتهم لليمن ورضاهم بالتبعية، وألا يُسلَّم أي منصب إلى هؤلاء، سواء كان عسكريًا أو مسؤولًا في الدولة، وأن تتنبه الشرعية لما يجري في الجوف، وألا تغتر بما تحققه من انتصارات هناك؛ لأنه لا تُستبعد الخيانة، ولنا في بن فدغم تجربة حديثة، وكذلك مأرب وما نُقل عن الزايدي وزمرته المتحوثة مؤخرًا، وتعز التي تمثل ثغرة مفتوحة في جسم الشرعية، وطريقًا غارقًا في الوحل تستخدمه هذه الحركة تحت أعين حزب الإصلاح دونما أية معوقات، وعلى أن تقوم الشرعية بإبعاد كل مسؤول في الجيش أو في الحكومة، أيًا كان منصبه وموقعه الوظيفي، وله أخ أو قريب متحوث أو يعمل في جهاز الحركة الحوثية، وأن تبادر الشرعية بإبعاد كل الوزراء والمسؤولين والقادة العسكريين الذين أصبحوا يمثلون عبئًا على حكومة الشرعية، وخاصة الحزبيين ومن لهم علاقة أو صاحب ولاء عفاشي؛ لأن وجودهم بالقرب من صانع قرار الشرعية يعد تسربًا مخيفًا وضارًا بدولة اليمن، إن صدقت التوجهات في الخلاص من الحركة الحوثية. كما يجب على الشرعية إعادة ترتيب الجيش وسد الثغرات في إقليم تعز، الذي أصبح بدوره المورد الأساسي للحوثة بعد تقزمهم في الجوف.

وكخاتمة للمقال، فليعلم كل يمني، سواء كان محبًا وصادقًا مع المملكة التي وقفت بمالها ورجالها مع اليمنيين، أو كان كارهًا ومتحزبًا ضدها، فليعلم أن قيادة دولتنا الحكيمة وشعبها السعودي العظيم لن يسمحا بأن يُقلب حجر في حدودنا السعودية مع اليمن، وأننا كشعب سعودي سنقف في وجه أيًّا من كان يفكر، وليس يقوم، بالاعتداء على المملكة، وهي ستكون عصية على أولئك الحاقدين والكارهين، وسنكون دروعًا بشرية وسدودًا منيعة في وجه كل جبان ومتخاذل قد يفكر في التآمر عليها.

كاتب رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.