كُتاب الرأي

( مضيق هرمز والمراهنة الدولية )

( مضيق هرمز والمراهنة الدولية )

محمد سعد الربيعي 

تناولت في الكثير من المقالات التي صدرت في صحيفتنا هذه، آخر أخبار الأرض، محاولات إيران وقدرتها على شراء الوقت وتوزيع الأدوار بين مفاوضيها وقواتها على الأرض من حرسٍ ثوري وغيره، لتتجاوز المرحلة الخطيرة في هذه الحرب الأخيرة التي تدور رحاها بين أمريكا وإيران، وما تخطط له (إيران) من المراهنة على كسب الوقت، وهو ما تنجح فيه بامتياز لعدة اعتبارات، ومنها ما هو مهم جدًا قد يؤثر على سير الحرب، وبالتالي تكسب إيران الرهان، ومنه الآخر المجرّد لكسب الوقت ويتغير من حين لآخر، وتلك الخطط والاعتبارات تضعها إيران نصب أعينها وتركز فيها، كما أشرت، على عامل الوقت والمراهنة عليه كنظرة إيرانية تنجح فيها باقتدار، وإيران سبق أن مارست هذا الدور في محادثاتها مع 5+1، وحقيقة فازت بالرهان وحققت ما ذهبت له من حيث تجاوز الحصة المرسومة لها في تلك المحادثات المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وهي الآن تحاول معاودة السباق على هذا العامل من حيث تمديد الوقت حتى نهاية أو اقتراب نهاية ولاية الرئيس الأمريكي ترامب، وإيران لديها القدرة في ذلك، ونقل محادثاتها من دولة إلى أخرى، واستغلال كل الظروف المحيطة بهذه الحرب التي تُبطئ في سرعة الوصول لوضع حلول لما ترغب به واشنطن في هكذا وضع، وهي في تصورها، أي طهران، في حال تغير الحكومة في واشنطن، ستفوز بالسباق وتحقق رهانها، وبالتالي انتصارها على أمريكا، ومن ثم البدء بمحادثات أخرى مع الإدارة الجديدة التي ستحكم أمريكا، والتي لا أعتقد أنه سيأتي إدارة أمريكية تفعل ما فعلته إدارة ترامب في حربها ضد إيران ومحاولة تقزيم دورها في المنطقة، بل قطعه، والذي للأسف حتى الآن، وبعد أن بدأ بقوة، يراوح مكانه نتيجة تردد إدارة ترامب التي وقفت في منتصف الطريق دون أن تكمل انتصارها وهزيمة نظام ملالي طهران، ناهيك عن مراهنة إيران على الموقف الداخلي في أمريكا وحزب الديمقراطيين الرافض لهذه الحرب التي ترى (إيران) أن هذين العاملين قد يفتّان في عضد ترامب، ويؤديان بالتالي لتغيير سياسته في هذه الحرب التي ستكون في صالح نظام طهران وتجاوزها هذه المرحلة الخطيرة، ولعل العامل المهم هو نقل الاهتمامات أو الأهداف التي كانت مرصودة في بداية الحرب (الهدف من الحرب) من وضع لآخر عندما استطاعت طهران خلق قضية مضيق هرمز بدلًا من قضية التخصيب، وهدف أمريكا من هذه الحرب كان تغيير الحكومة، بل هزيمتها وتغييرها لحكومة تنهي التمدد الإيراني في المنطقة والعالم، إلى قضية قفل المضيق وفتحه، والمراهنة على ذلك من حيث استغلاله في خلق قضية دولية أدت في هذه الأثناء إلى غلاء، بل انقطاع النفط عن الكثير من دول العالم التي لا تستطيع الاستغناء عن بترول المملكة ودول الخليج وإيران كذلك، وهو ما خلق قضية دولية أنشبت مخالب أمريكا فيها، وأدى إلى تآكل دور أمريكا الدولي في حربها مع إيران وانتقادها دوليًا، كما حدث منذ يومين من ألمانيا التي رأت أن الدور الأمريكي في هذه الحرب كرّس قضية هرمز وأدى إلى غلاء المشتقات النفطية في العالم.

إيران دولة عُرفت بتهربها من أي استحقاقات دولية، وهي تمارس هذا الدور الإرهابي لخدمة نظامها وتنجح فيه للأسف نتيجة تشعب المواقف الدولية، وكذلك لعدم اهتمام الدول القوية في العالم، التي تختفي مراهنات طهران معها خلف الكواليس وتحقق لتلك الدول ما ترغب به دون أن تعلن عنه طهران، وهو ما تسعى لتحقيقه مع أمريكا الآن، حيث تريد اتفاقًا معها من تحت الطاولة ودون أن يعرفه العالم، ومنه تحقق إيران رغبة أمريكا في أخذ ما يلبي مطالبها، أي واشنطن، وتتجنب إيران الإبادة الأمريكية التي يهدد بها ترامب، وعندها تنجح (إيران) وتعود كما كانت، بل أقوى في التشيطن في المنطقة، أي أنها تستطيع أيضًا شراء بعض المواقف الدولية التي تخشاها إيران، وتتخطى بعد ذلك كل ما تريده وتحققه من خطط في منطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد في إقليمها في المنطقة من الخليج والدول المجاورة لها (إيران)، والتي لن تسلم من شر هذه الدولة المجوسية العدوة لهذه الدول.

لعل ما يخشاه العالم الآن، وبالذات دول المنطقة والخليج، هو أن تصل طهران إلى اتفاق مع أمريكا نتيجة تردد ترامب، ويسمح لها بالتصرف في مضيق هرمز من خلال اتفاقات الظل أو ما يُعقد تحت الطاولة وخلف الكواليس، وتتحول الأنظار إلى الإجراءات التي قد تتخذها طهران برضى من أمريكا، سواء في عهد ترامب أو الإدارة القادمة لحكم أمريكا، وتُطلق يدها في مضيق هرمز، وهو ربما ما يحدث ردة فعل كبيرة في غلاء البترول ومشتقاته النفطية ووصولها لأرقام فلكية نتيجة ما قد يحدث من اتفاق بين أمريكا وإيران، وبغض طرف من الأمريكيين، أي برضاهم، مقابل حصة لهم نتيجة لما قد يحدث من ارتفاع لأسعار البترول، الذي سيصب في نهاية الأمر للمصدرين له في العالم، ومنها أمريكا، والتي ربما أيضًا يكون من نتائج الاتفاق استقطاع كميات كبيرة من البترول الإيراني ووقف الحرب التي تدور الآن.

وختامًا للمقال، لا أعتقد أنه من المناسب ترك أمريكا وحيدة في مواجهة الألاعيب الإيرانية، واستخدامها مضيق هرمز كورقة ستلوّح بها في يدها كلما سنحت لإيران فرصة في تحقيق هدف لها، لأن إيران لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستستمر في تهديد المنطقة والعالم، وهدفها تهديد العالم كله وابتزازه وتدمير الشرق الأوسط، وخلق كيانات صغيرة فيه تسيطر من خلالها على دوله لتصبح دولة عظمى، وهو ما تسعى لتحقيقه طهران وإعادة أمجاد الدولة الفارسية، وهو بمشيئة الله هدف لن تصل له، لكنها ستجعل المنطقة ملتهبة وغير مستقرة، وللأسف فإن الضعف الدولي وتداعيه أمام هذه الحرب وترك أمريكا المترددة وحيدة في وجه الابتزاز الإيراني قد يؤدي إلى وجود حلول تلجأ لها أمريكا وإيران مجتمعة في اقتسام كعكة مضيق هرمز من خلال السيطرة عليه وخلق وضع جديد فيه يؤدي إلى ارتفاع أسعار البترول، التي ربما يرضى بها الجانب الأمريكي الذي يرى في ذلك تحقيق هدف اقتصادي كبير لواشنطن نتيجة أنها تعد من أحد أكبر المصدرين في العالم، مع ما قد تستقطعه من البترول الإيراني، وبالتالي تحقق أمريكا إصابة عصفورين بحجر، وتترك بقية دول العالم التي كانت في موقف المتفرج تكتوي بنار طهران.

كاتب رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى