*سياسة الدبلوماسية الهادئة.*

*سياسة الدبلوماسية الهادئة.*
*رؤية تحليلية للكاتب.*
*الأحد الموافق (2) أغسطس 2026م.*
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.
تتعاظم قيمة الدبلوماسية كلما اشتدت الأزمات، لأن الحكمة في إدارة الصراعات لا تقاس بسرعة اللجوء إلى القوة، وإنما بقدرة الدولة على توظيف أدواتها السياسية والقانونية والاستراتيجية بما يصون مصالحها الوطنية، ويحمي أمنها، ويعزز فرص الاستقرار الإقليمي والدولي.
ولم تعد قوة الدول تقاس بقدرتها على كسب الحروب فحسب، بل بقدرتها على الحيلولة دون اندلاعها، من خلال توظيف الدبلوماسية، والقانون الدولي، والتحالفات، والردع العسكري، ضمن منظومة متكاملة تجعل السلام خيارها الأول، مع الاحتفاظ بحقها المشروع في الدفاع عن أمنها الوطني ومصالحها الحيوية متى استنفدت الوسائل السلمية.
ومن هذا المنطلق، برزت سياسة الدبلوماسية الهادئة بوصفها إحدى أكثر أدوات إدارة الأزمات نضجا وفاعلية، إذ تتيح المجال أمام المعالجات السياسية، وتمنح الأطراف فرصة مراجعة مواقفها، وتمكن المجتمع الدولي من الإحاطة بحقيقة الأزمة، كما ترسخ الأساس السياسي والقانوني لأي خطوات لاحقة إذا اقتضتها الضرورة. ولم تعد الدبلوماسية الهادئة تقتصر على اللقاءات والرسائل الرسمية، بل أصبحت إدارة متكاملة للوقت، والمعلومات، والرأي العام، والقانون الدولي، والتحالفات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بحيث تعمل هذه الأدوات مجتمعة في إطار واحد يسبق أي قرار ميداني.
وتبين الخبرة الدولية أن الدول الواثقة من قدراتها لا تتعجل استخدام القوة، وإنما تبدأ بالحوار، والوساطات، والاحتجاجات الرسمية، وتفعيل القنوات الدبلوماسية، مع المحافظة في الوقت ذاته على أعلى درجات الجاهزية العسكرية. فإذا استنفدت الوسائل السلمية، واستمرت التهديدات أو الاعتداءات، فإن اتخاذ الإجراءات الدفاعية المشروعة يصبح امتدادا للدبلوماسية، وليس خروجا عليها، لأن الغاية تبقى حماية الأمن الوطني والحفاظ على الاستقرار.
وفي هذا الإطار، تقدم المملكة العربية السعودية نموذجا عمليا لهذا النهج، إذ اتسم تعاملها مع التهديدات المتكررة بالتدرج في استخدام أدوات الدولة السياسية والدبلوماسية والقانونية، قبل ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن أمنها الوطني وفقا للقانون الدولي.
وتوضح الوقائع المعلنة والبيانات الرسمية أن المملكة العربية السعودية تعرضت خلال السنوات الماضية لسلسلة من الاعتداءات التي استهدفت أمنها الوطني ومنشآتها الحيوية. ففي الرابع عشر من مايو 2019 استهدفت طائرات مسيرة محطتي ضخ النفط التابعتين لأرامكو في عفيف والدوادمي، ثم تعرضت منشأتا بقيق وخريص في الرابع عشر من سبتمبر من العام نفسه لاعتداء كبير أعلنت المملكة أن مساره جاء من الاتجاه الشمالي. واستمرت بعد ذلك الاعتداءات والتهديدات التي استهدفت أمن المملكة ومنشآتها الحيوية، إلى أن شهد السابع والعشرون من يوليو 2026 هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت بترولية في الرياض والمنطقة الشرقية، وأعلنت وزارة الدفاع السعودية أن الطائرات المسيرة انطلقت من الأراضي العراقية، كما أكدت وزارة الخارجية السعودية ذلك باستدعاء السفير العراقي وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية طالبت فيها بمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقا لأي اعتداء على المملكة.
ويكشف هذا التسلسل أن تلك الاعتداءات لم تكن وقائع منفصلة، وإنما مثلت نمطا متكررا استهدف أمن المملكة ومنشآتها الحيوية واقتصادها الوطني، وهو ما يفسر النهج السعودي القائم على التدرج في إدارة الأزمة، بدءا بالمساعي السياسية، والاتصالات الدبلوماسية، والاحتجاجات الرسمية، وانتهاء باتخاذ الإجراءات الدفاعية المشروعة بعد استنفاد الوسائل السلمية.
وتشير الوقائع المعلنة والبيانات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة، وفي مقدمتها مواقف الأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب قرارات مجلس الأمن، وبيانات الدول المتضررة، إلى استمرار القلق الدولي من الأنشطة التي تهدد أمن المنطقة وحرية الملاحة الدولية. كما تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن عدد من الدول والمنظمات الدولية أن النظام الإيراني يواصل دعم وتسليح وتمويل جماعات إرهابية مسلحة عابرة للحدود ارتبطت باعتداءات استهدفت منشآت حيوية، وهددت أمن الملاحة الدولية في الخليج العربي ومضيق هرمز ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، الأمر الذي انعكس سلبا على أمن الطاقة، واستقرار التجارة الدولية، وجهود إحلال السلام. ويؤكد ذلك أهمية مواصلة الجهود الدولية الرامية إلى حماية حرية الملاحة، وصون الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح تلك التنظيمات، وفقا لقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة .
ويؤكد هذا السجل كذلك أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عدد الهجمات، بقدر ما يكمن في استمرار وجود بيئات تسمح بالتخطيط والإعداد والانطلاق، وهو ما يجعل مسؤولية الدولة التي تنطلق من أراضيها تلك الاعتداءات مسؤولية قانونية وسياسية، تستوجب اتخاذ إجراءات فعالة تحول دون تكرارها، حفاظا على أمن المنطقة واستقرارها.
وتؤكد الخبرة الاستراتيجية المتراكمة أن نجاح الدبلوماسية الهادئة لا يقاس بغياب الاستعراض الإعلامي، وإنما بقدرتها على تحقيق الأهداف الوطنية بأقل كلفة سياسية وعسكرية ممكنة، إذ إن الدولة التي تحسن إدارة الوقت، وتراكم المواقف القانونية، وتكسب ثقة المجتمع الدولي، تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها الوطنية عندما يصبح اتخاذ الإجراءات الدفاعية المشروعة ضرورة لا يمكن تأجيلها.
وتؤكد الخبرة الدولية أن نجاح الدبلوماسية لا يقاس بتجنب استخدام القوة في جميع الأحوال، وإنما بقدرتها على منع اتساع الصراعات، وحماية المصالح الوطنية، وتهيئة الظروف لعودة الاستقرار متى ما توافرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية. ومن هذا المنطلق، فإن الردع المشروع لا يمثل بديلا للدبلوماسية، وإنما يعد امتدادا لها عندما تستنفد الوسائل السلمية، وفقا لما تقره قواعد القانون الدولي.
وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط تتجه نحو مرحلة تصبح فيها الدبلوماسية والردع وجهين لسياسة واحدة، فلا قيمة لدبلوماسية لا تحميها القوة، ولا جدوى من قوة لا تضبطها الحكمة. ومن ثم فإن نجاح الدول في إدارة الأزمات سيعتمد على قدرتها على الموازنة بين الصبر السياسي والجاهزية العسكرية، بما يحفظ الأمن الوطني، وسلامة الأراضي، والمصالح الحيوية، ويمنع اتساع رقعة الصراع، ويفتح المجال أمام الحلول السياسية متى ما توافرت أسبابها.
ولا تستهدف هذه الدراسة حصر جميع الوقائع أو البيانات الصادرة خلال الفترة المشار إليها، وإنما تستعرض أبرز الأمثلة الموثقة التي تخدم موضوع البحث، وتوضح تطور توظيف الدبلوماسية الهادئة في إدارة الأزمات، مع المحافظة على حق الدولة في اتخاذ ما تقره قواعد القانون الدولي من إجراءات مشروعة لحماية أمنها الوطني ومصالحها الحيوية.
*الخاتمة.*
*تعلمنا الخبرة الاستراتيجية أن السلام المستدام لا تصنعه القوة وحدها، كما أن الدبلوماسية لا تبلغ غايتها من دون قدرة تحميها. ومن ثم فإن التوازن بين الحكمة والردع المشروع يظل الأساس الذي تبنى عليه سياسات الدول الرشيدة في حماية أمنها الوطني، وصيانة مصالحها الحيوية، والإسهام في استقرار محيطها الإقليمي والدولي.*
*وتؤكد الخبرة السياسية والعسكرية أن الصبر الدبلوماسي لا يعني التهاون، كما أن الردع المشروع لا يتعارض مع السعي إلى السلام، بل يكمله ويحميه. فالدول الرشيدة تمنح الحلول السياسية كل فرصة ممكنة، لكنها تحتفظ في الوقت ذاته بحقها المشروع في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية أمنها الوطني ومصالحها الحيوية متى استنفدت الوسائل السلمية.*
*وتبقى الدبلوماسية الهادئة الخيار الأول للدول الرشيدة في إدارة الأزمات، بينما يظل الردع المشروع الضامن لحماية الأمن الوطني والمصالح الحيوية عندما تستنفد الوسائل السلمية .*
