*مستقبل الطاقة وتهديدات المسيرات .*

*مستقبل الطاقة وتهديدات المسيرات .*
*( الجزء الأول / 1 من 2 ) .*
【*رؤية تحليلية استراتيجية】.*
*الإثنين الموافق (27) يوليو 2026م*
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
*بعد مضي عقد من الزمان إنصرم بما يحمله من تقنيات بناءة ، و أخرى هدامة تخريبية وقعت بأيدي أذرع ومنظمات إرهابية مع شديد الأسى والأسف يمكننا هذا اليوم القول ؛ أنه لم يعد【أمن الطاقة】 في القرن الحادي والعشرين يقاس بحجم الاحتياطيات النفطية أو الغازية وحدها، ولا بعدد الحقول أو المصافي أو خطوط الأنابيب، بل أصبح يقاس بقدرة الدولة على حماية 【منظومة متكاملة】 تضم الإنتاج، والنقل، والتخزين، والتكرير، والموانئ، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، وشبكات الاتصالات، وأنظمة القيادة والسيطرة التي تضمن استمرار تدفق الطاقة في مختلف الظروف. فكلما ازدادت هذه المنظومات ترابطا واعتمادا على التقنيات الذكية، ازدادت في المقابل مساحة 【التهديدات】 التي تستهدفها.*
وتشهد 【البيئة الاستراتيجية العالمية】 تحولا متسارعا، انتقلت معه المنافسة من السعي إلى امتلاك مصادر الطاقة فحسب، إلى التنافس على امتلاك التكنولوجيا القادرة على حمايتها أو تعطيلها. ولم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها هي العامل الحاسم، بل برزت منظومات 【الذكاء الاصطناعي】، و【الأمن السيبراني】، و【الأنظمة غير المأهولة】، و【الحرب الإلكترونية】، بوصفها أدوات رئيسية في تشكيل موازين القوى وحماية المصالح الحيوية للدول.
وفي ظل هذا التحول، لم يعد الهدف في الحروب الحديثة تدمير منشأة نفطية أو ناقلة بحرية بعينها، وإنما تعطيل 【منظومة الطاقة】 بأكملها، وإرباك سلاسل الإمداد، ورفع تكاليف النقل والتأمين، والتأثير في الأسواق العالمية، وإجبار الخصم على اتخاذ قرارات سياسية أو اقتصادية تحت ضغط الخسائر المتراكمة. ومن هنا، أصبح 【أمن الطاقة】 جزءا لا يتجزأ من 【 الأمن الوطني أو الأمن القومي 】، بل أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وتؤكد التطورات العسكرية والتقنية المتلاحقة أن 【التهديدات المستقبلية】 ستعتمد بصورة متزايدة على 【الوسائل غير المأهولة】، التي تجمع بين إنخفاض الكلفة، وسهولة الانتشار، وصعوبة الاكتشاف، وإمكانية تنفيذ عمليات دقيقة ضد أهداف عالية القيمة. كما أن دمج هذه الوسائل بـ【الذكاء الاصطناعي】، و【الاستشعار الفضائي】، وتحليل البيانات الضخمة، يمنحها قدرات عملياتية تتجاوز بكثير ما كان متاحا في العقود السابقة.
ولذلك، فإن الدول التي تسعى إلى حماية 【أمنها للطاقة 】 لم يعد يكفيها تطوير قدراتها الدفاعية التقليدية، بل أصبحت مطالبة ببناء 【منظومات متكاملة】 تجمع بين التفوق العلمي، والابتكار التقني، والجاهزية العسكرية، والمرونة التشغيلية، بما يضمن إستمرار عمل مرافق الطاقة حتى في أكثر الظروف تعقيدا.
وتدل المؤشرات إلى أن المنافسة خلال العقود القادمة لن تدور حول من يمتلك أكبر مخزون من النفط أو الغاز فحسب، بل حول من يمتلك القدرة على حماية 【منظومات الطاقة】 من 【التهديدات متعددة المجالات】، التي قد تنطلق من الجو، أو من البحر، أو من أعماقه، أو من الفضاء السيبراني، في عمليات متزامنة تستهدف شل القدرة على الإنتاج والتصدير واستمرار تدفق الإمدادات.
ومن هذا المنطلق، تبرز 【المسيرات】 بمختلف أنواعها بوصفها إحدى أبرز أدوات التحول في طبيعة الصراع، إذ لم تعد مجرد وسائل استطلاع أو هجوم محدودة التأثير، بل أصبحت تمثل جيلا جديدا من 【أدوات الردع والضغط الاستراتيجي】، القادرة على التأثير في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، الأمر الذي يفرض قراءة أعمق لمستقبل هذه المنظومات وانعكاساتها على أمن الدول والممرات البحرية والمنشآت الحيوية.
وتعد 【المسيرات الجوية】 اليوم إحدى أبرز أدوات التحول في طبيعة العمليات العسكرية، بعد أن أثبتت قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والاستهداف الدقيق والحرب الإلكترونية بتكاليف أقل من كثير من الوسائل التقليدية. وقد أدى تطور أنظمة الملاحة الذاتية، و【الذكاء الاصطناعي】، والاتصالات المشفرة، إلى رفع كفاءتها العملياتية، حتى أصبحت قادرة على العمل فرادى أو ضمن أسراب منسقة يصعب التعامل معها بالوسائل الدفاعية التقليدية، الأمر الذي فرض على الجيوش تطوير مفاهيم جديدة لـ【الدفاع الجوي】 تقوم على الإنذار المبكر، والاستشعار متعدد المصادر، والاعتراض المتدرج.
غير أن التهديد المستقبلي لن يتوقف عند المجال الجوي، بل سيمتد بصورة متزايدة إلى البيئة البحرية، حيث يتوقع أن تؤدي 【المسيرات البحرية السطحية】 دورا متناميا في حماية أو استهداف البنية التحتية للطاقة. فهذه الوسائط تمتاز بانخفاض تكاليف إنتاجها وتشغيلها، وقدرتها على الإبحار لمسافات طويلة، وتنفيذ مهام الاستطلاع، والمراقبة، والحرب الإلكترونية، والتشويش على أنظمة الملاحة والاتصالات، كما قد تستخدم لاستهداف السفن التجارية، وناقلات النفط والغاز، ومنصات الإنتاج البحرية، ومحطات التصدير، والموانئ الاستراتيجية، بما يرفع كلفة النقل والتأمين ويؤثر في انسياب التجارة الدولية.
وفي المقابل، تمثل 【الغواصات المسيرة الصغيرة】 تحولا نوعيا في طبيعة الصراع البحري، لقدرتها على العمل بصمت ولساعات أو أيام طويلة، والتسلل إلى البيئات البحرية الحساسة دون الحاجة إلى وجود أطقم بشرية على متنها. ومن المرجح أن تتوسع أدوارها في أعمال الاستطلاع، ومراقبة التحركات البحرية، وفحص البنية التحتية تحت سطح البحر، كما قد تستغل لاستهداف خطوط الأنابيب البحرية، والكابلات الدولية للألياف الضوئية، وقواعد الإرساء، أو زرع ألغام بحرية ذكية في الممرات الحيوية، وهو ما يفرض على الدول تطوير 【منظومات متقدمة للكشف تحت السطح】، وربطها بوسائل الاستشعار الفضائي والذكاء الاصطناعي وشبكات القيادة والسيطرة.
*ويزداد هذا المشهد تعقيدا عندما تعمل 【المسيرات الجوية】، و【المسيرات البحرية السطحية】، و【الغواصات المسيرة】، ضمن 【منظومة عملياتية واحدة】 تتبادل المعلومات بصورة آنية، فتوزع المهام فيما بينها، وتتكيف مع تطورات الموقف الميداني، الأمر الذي يجعل عملية اكتشافها واعتراضها أكثر صعوبة، ويمنحها قدرة أكبر على استنزاف الدفاعات وإرباكها قبل الوصول إلى الأهداف الحيوية.*
*و يظهر إلى جانب ذلك تطور متسارع في 【تقنيات النانو】، التي يتوقع أن تحدث تحولات مهمة في مجالات الصناعة والطاقة والدفاع. فالمواد النانوية، والمجسات فائقة الصغر، والروبوتات الميكروية، قد تتيح مستقبلا وسائل بحرية بالغة الدقة لتنفيذ أعمال الفحص والاستطلاع والمراقبة في البيئات البحرية المعقدة. وفي المقابل، قد تستغل بعض التطبيقات العدائية لهذه التقنيات في محاولة الوصول إلى المكونات الحساسة في السفن والمنصات البحرية، أو جمع البيانات الفنية، أو التأثير التدريجي في بعض المواد أو الأنظمة بوسائل يصعب اكتشافها مبكرا. ورغم أن كثيرا من هذه التطبيقات ما زال في طور البحث والتطوير، فإن تسارع الابتكار العلمي يفرض على المخططين العسكريين إدراجها ضمن 【تقديرات الموقف المستقبلية】، والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى تهديد عملياتي واسع النطاق.*
*ومن هنا، لم يعد 【أمن الممرات البحرية】 مرتبطا بحماية السفن من الهجمات التقليدية وحدها، بل أصبح يشمل حماية ما يعلو سطح البحر، وما يجري فوقه، وما يختبئ في أعماقه، وما قد يعمل في المستقبل على المستوى المجهري، الأمر الذي يفرض إعادة صياغة 【العقيدة الدفاعية البحرية】 بما يواكب هذا التحول المتسارع في طبيعة التهديدات .*
كاتب رأي

