*إنتاج الاستقرار…،*

*إنتاج الاستقرار…،*
*معيار النفوذ في الشرق الأوسط .*
*رؤية ثلاثية استراتيجية .*
*( الجزء الثالث والأخير ) .*
*عندما يصبح الاستقرار هو معيار القوة .*
*( مقال الجمعة ) .*
*الجمعة الموافق (24) يوليو 2026م .*
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
*قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم :*
*﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ .*
[ الأنفال: 60] .
إنتهى الجزء الثاني إلى أن الشرق الأوسط يقف بين مشروعين متباينين؛ مشروع يجعل من الدولة الوطنية، والتنمية، والاستقرار، أساسا للقوة والنفوذ، ومشروع آخر ما زال يراهن على استمرار الأزمات والصراعات والإرهاب والإعتداء السافر الغاشم والجبان على دول الجوار باعتبارها وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أي الطريقين أقرب إلى تشكيل مستقبل المنطقة؟
إن الإجابة لا تكمن في متابعة الأحداث اليومية وحدها، بل في قراءة الاتجاهات الكبرى التي يعاد على أساسها تشكيل النظام الدولي . فالعالم يشهد انتقالا متسارعا من مرحلة كان فيها التفوق العسكري المؤشر الأبرز للمكانة الدولية، إلى مرحلة أصبحت فيها القوة الشاملة هي المعيار الحقيقي، حيث تتكامل القدرات الدفاعية مع الاقتصاد، والتقنية، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والدبلوماسية، والقدرة على حماية سلاسل الإمداد والممرات البحرية.
وفي ظل هذا التحول، لم يعد الشرق الأوسط هامشا في السياسة الدولية، بل أصبح أحد أهم مراكزها . فالموقع الجغرافي، وثروات الطاقة، والممرات البحرية، والأسواق الصاعدة، جعلت المنطقة ركنا رئيسا في التوازنات العالمية . كما أن تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى يمنحها أهمية إضافية، لكنه في الوقت نفسه يفرض على دولها أن تبني سياساتها انطلاقا من مصالحها الوطنية، وأن تنوع شراكاتها، وأن تحافظ على استقلال قرارها الاستراتيجي.
ومن هذا المنطلق، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل الإقليم.
السيناريو الأول: إستمرار الاستنزاف.
يفترض هذا السيناريو بقاء الصراعات الإقليمية مفتوحة، واستمرار توظيف الفاعلين المسلحين من غير الدول، وتفعيل الشبكات التجسسية والتخريبية، مع تعثر مسارات التسوية السياسية. ونتيجة لذلك تتصاعد كلفة الأمن والدفاع، وتتآكل فرص النمو الاقتصادي، وتترسخ هشاشة البيئة الإقليمية، وتتراجع الثقة الاستثمارية، بما يحد من قدرة المنطقة على تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة .
أما السيناريو الثاني ؛ فيقوم على توازن ردع يمنع المواجهات الكبرى، لكنه يبقي المنطقة في حالة توتر مزمن، ويحد من قدرتها على إستثمار إمكاناتها الاقتصادية والبشرية، ويؤخر الانتقال إلى مرحلة التكامل الإقليمي الحقيقي.
ويبقى السيناريو الثالث ؛ وهو الأكثر قدرة على خدمة مصالح شعوب المنطقة، ويقوم على ترسيخ الدولة الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي ، وتغليب المصالح الاقتصادية، واحترام القانون الدولي، ورفع كلفة أي اعتداء على سيادة الدول أو أمن الملاحة. وفي هذا السيناريو يتحول الاستقرار إلى مورد استراتيجي مشترك، والتنمية إلى قاعدة للتنافس، والاقتصاد إلى جسر للتعاون.
ولكي يترجح هذا المسار، فإن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي تمتلك فرصة تاريخية لتعزيز مكانتها بوصفها إحدى أكثر المنظومات الإقليمية تماسكا وتأثيرا. فالمرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من مفهوم التنسيق إلى مفهوم التكامل الاستراتيجي الشامل ، عبر تركيز و تعميق العمل المشترك في مجالات الدفاع، والأمن البحري، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والذكاء الاصطناعي، وأمن الطاقة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وسلامة سلاسل الإمداد، وإدارة الأزمات، بما ينسجم مع النظام الأساسي للمجلس وأهدافه، ويعزز قدرته على حماية مصالح دوله والإسهام في استقرار الإقليم والاقتصاد العالمي.
وفي مقدمة هذا المسار، تواصل المملكة العربية السعودية أداء دورها القيادي الكبير، مستندة إلى مكانتها السياسية والاقتصادية والدينية، وإلى رؤية وطنية جعلت الأمن والتنمية مسارين متلازمين . وقد أثبتت التجربة أن الجمع بين قوة الردع ، والتنمية الاقتصادية، والدبلوماسية المتوازنة، والالتزام بالقانون الدولي، يمنح الدولة قدرة أكبر على إنتاج نفوذ مستدام يحظى بالثقة والاحترام.
وفي المقابل، فإن إستمرار السياسات القائمة على العدوان الصائل والآثم على دول الجوار و دعم الجماعات الإرهابية التخريبية المسلحة خارج إطار الدولة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتهديد أمن الممرات البحرية، سيبقى عاملا معرقلا للاستقرار الإقليمي. وقد بينت التجارب أن هذا النهج يرفع كلفة الأمن، ويضعف مؤسسات الدولة الوطنية، ويؤخر التنمية، ويقوض فرص بناء نظام إقليمي أكثر توازنا واستقرارا. ومن هنا، فإن أي مستقبل أكثر أمنا للشرق الأوسط يقتضي احترام سيادة الدول، ورفض منطق الوكلاء الإرهابيين المسلحين، والالتزام بمبادئ حسن الجوار، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، مع الاحتفاظ بحق الدول في الدفاع المشروع عن أمنها ومصالحها.
لقد أثبت القرن الحادي والعشرون أن الدولة التي تستثمر في الإنسان، وتعزز مؤسساتها، وتحمي ممراتها البحرية، وتنوع اقتصادها، وتطور قدراتها الدفاعية، وتبني شراكاتها على الثقة والمصالح المتبادلة، هي الدولة الأقدر على مواجهة الأزمات، والأسرع تعافيا منها، والأكثر تأثيرا في محيطها.
وهكذا، فإن التحول الأكبر في عصرنا لا يكمن في تغير موازين القوة فحسب، بل في تغير معيار إستخدامها. فالقوة التي كانت تقاس يوما بقدرتها على كسب الحروب، أصبحت اليوم تقاس بقدرتها على منعها، وحماية الدولة، وبناء الإنسان، وصناعة المستقبل.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات بقدر ما يحتاج إلى مشروع إقليمي يجعل من الاستقرار قيمة استراتيجية مشتركة، ومن التنمية هدفا جامعا، ومن إحترام سيادة الدول أساسا للعلاقات الإقليمية، ومن التعاون الاقتصادي والأمني وسيلة لبناء مستقبل أكثر أمنا وازدهارا.
فالاستقرار ليس نقيض القوة، بل هو أعلى درجاتها. والدول التي تنجح في إنتاجه لا تحمي أوطانها فحسب، بل تسهم في إستقرار محيطها، وتعزز مكانتها الدولية، وتصنع مستقبلها بثقة واقتدار. وتلك، في تقديري، هي المعادلة الجديدة التي سترسم مستقبل الشرق الأوسط خلال العقود القادمة .
*والله ولي التوفيق والسداد .*
كاتب رأي
