*صانع السجاد الماكر… ونسيج الجماعات الإرهابية .*

*صانع السجاد الماكر… ونسيج الجماعات الإرهابية .*
*رؤية تحليلية استراتيجية .*
*السبت الموافق (25) يوليو 2026م .*
كتبه؛اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
لا يبدأ السجاد الفاخر بصورة مكتملة، وإنما يبدأ بخيط يبدو بسيطا، ثم تتداخل الخيوط والألوان والأنماط حتى يتشكل نسيج متماسك يخفي وراء جماله ساعات طويلة من التخطيط والدقة والصبر. وكذلك بعض المشروعات الاستراتيجية، لا تظهر أهدافها كاملة منذ البداية، بل تبنى تدريجيا عبر أدوات متعددة حتى يكتمل أثرها ويبدو وكأنه واقع نشأ بصورة طبيعية.
وهذه الحقيقة لا تقتصر على الصناعات التقليدية، بل تمتد إلى عالم السياسة والأمن والاستراتيجية، حيث تعمل بعض القوى على بناء مشروعاتها عبر مراحل متتابعة، تتداخل فيها الأدوات السياسية والإعلامية والاقتصادية والإستخبارية والعسكرية، بحيث لا تبدو العلاقة بينها واضحة في بداياتها، بينما تتكشف معالمها بعد اكتمال النسيج.
ومن هنا، فإن أخطر ما يميز بعض المشروعات *( التخريبية )* التي توظف الجماعات الإرهابية والخلايا الجاسوسية والمجموعات المجرمة الخفية النائمة أنها لا تكشف نسيجها كاملا منذ البداية، وإنما تبدأ بخطوات متفرقة قد تبدو غير مترابطة، ثم تتوسع تدريجيا من خلال التمويل، والتعبئة الفكرية، والتدريب، والتسليح، والدعاية، واستغلال الأزمات، حتى تتحول إلى أدوات قادرة على التأثير في أمن الدول واستقرارها ومصالحها الحيوية.
ولهذا فإن قراءة الأحداث من زاوية كل حادثة على حدة قد تحجب الصورة الكاملة، بينما تكشف القراءة الاستراتيجية أن كثيرا من الوقائع المتباعدة ظاهريا قد تكون أجزاء من مشروع واحد، يتقدم بهدوء وصبر حتى يبلغ أهدافه. فالمحلل الاستراتيجي لا يكتفي بمتابعة النتائج، بل يبحث عن الخيوط الأولى التي تربط بين الوقائع، وعن المنطق الذي يحكم تطورها.
ويعد الخداع الاستراتيجي أحد أهم الأدوات المستخدمة في هذا النوع من المشروعات، إذ يجري توزيع الأدوار بين وسائل متعددة، وإخفاء المقاصد الحقيقية خلف شعارات سياسية أو إنسانية أو إعلامية، بينما تتحرك الأدوات المختلفة نحو غاية واحدة. ويؤدي هذا الأسلوب إلى إرباك الخصوم، وتأخير ردود أفعالهم، ومنح القائمين على المشروع زمنا إضافيا لاستكمال مراحله.
وفي هذا السياق، تمثل الجماعات المسلحة غير التابعة للدول إحدى أكثر الأدوات إستخداما في النزاعات المعاصرة، لما تمنحه من قدرة على ممارسة الضغوط وإطالة أمد الصراعات، مع تقليل احتمالات المواجهة المباشرة بين الدول. كما تتيح لمشغليها مساحة أوسع للمناورة السياسية والإعلامية، وتزيد من تعقيد عمليات الردع والمساءلة القانونية.
ولا يقف تأثير هذه الجماعات الإرهابية عند حدود المواجهات العسكرية، بل يمتد إلى تهديد الممرات البحرية، وتعطيل حركة التجارة، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإضعاف ثقة المستثمرين، وإرباك سلاسل الإمداد العالمية. ولذلك أصبحت حماية الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية جزءا أساسيا من الأمن الوطني والأمن الاقتصادي للدول.
وتؤكد الخبرات الاستراتيجية أن مواجهة مثل هذه المشروعات لا تتحقق بردود الأفعال المؤقتة، وإنما تبدأ ببناء منظومات وطنية متكاملة تجمع بين كفاءة الاستخبارات، وسرعة تبادل المعلومات، وتعزيز الأمن السيبراني، ورفع جاهزية القوات المسلحة، وتطوير التشريعات، وتجفيف مصادر التمويل، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.
كما أن النجاح في التصدي لهذه التحديات يعتمد على القدرة على استشراف المخاطر قبل اكتمالها، وليس بعد تحولها إلى أزمات مفتوحة. فكلما أحسنت الدولة قراءة المؤشرات المبكرة، وامتلكت القدرة على تحليل العلاقات بين الأحداث، ازدادت فرصها في إحباط المشروع قبل أن يكتمل نسيجه.
*ولا تتكون أخطر التهديدات من خيط واحد، ولا تنشأ المشروعات الكبرى في لحظة واحدة، وإنما تنسج عبر الزمن بعناصر متفرقة قد تبدو متباعدة، حتى تلتقي في صورة واحدة. ومن هنا، فإن نجاح الدولة لا يقاس بقدرتها على مواجهة التهديد بعد اكتماله فحسب، بل بقدرتها على قراءة المؤشرات الأولى، وفهم طريقة بناء النسيج، وإحباطه قبل أن يتحول إلى واقع يصعب تغييره. وتلك هي إحدى أهم قواعد التفكير الاستراتيجي في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتطور فيه أدوات الصراع بصورة غير مسبوقة.*
كاتب رأي

