كُتاب الرأي

اسمي… هويتي الأولى

اسمي… هويتي الأولى

تثير دهشتي ظاهرة تتكرر كثيرا في مجتمعاتنا، أن بعض الناس يفرح إذا قيل له: ((يا أبا فلان)) أو ((يا أم فلانة))، ويضيق إذا نودي باسمه. حتى إنك إذا سألته عن اسمه، أجاب على عجل: ((نادني أبا فلان)). وكأن الاسم الذي رافقه منذ ولادته لم يعد يكفيه، فأصبح يبحث عن تعريف آخر لنفسه. هذه الظاهرة تفتح بابا لسؤال: متى أصبح الإنسان يعتز بما جاء بعد اسمه أكثر من اعتزازه بالاسم نفسه؟

الاسم ليس لفظا يطلق على صاحبه. إنه أول هدية يمنحها الوالدان لابنهما، وأول هوية يدخل بها إلى الحياة. به ينادى طفلا، وبه يتعلم، وبه يوقع معاملاته، وبه يعرفه الناس، وبه يسجل في التاريخ. أما الكنية، فهي مرحلة جاءت بعد أن اكتملت هوية الاسم. ولو تأملنا القرآن الكريم، لوجدنا أن الله سبحانه قدم أنبياءه ورسله بأسمائهم، فقال: يا آدم، ويا نوح، ويا إبراهيم، ويا موسى، ويا عيسى، ويا يحيى، ويا زكريا. وذكر خاتم الأنبياء باسمه فقال:﴿محمد رسول الله﴾. ومع أن الكنية كانت معروفة عند العرب، بقي الاسم هو التعريف الأول. ولا خلاف في أن الكنية من جميل العادات، وقد كان النبي عليه السلام يكني أصحابه إكراما لهم، وتلطفا في خطابهم، حتى كنى من لا ولد له. فالحديث هنا عن شعور يجعل الإنسان يفضل أن يعرف بكنيته، ويشعر بشيء من الحرج إذا نودي باسمه. وربما كانت المسألة أعمق مما تبدو. فالاسم يمثل الإنسان كما هو، أما الكنية فقد تمنحه شعورا بالوجاهة، أو الوقار، أو المكانة. وحين يضعف شعور الإنسان بقيمته الداخلية، يبدأ في البحث عن قيمة يستعيرها من الخارج. ولهذا لا يتعلق بعض الناس بالكنية وحدها، فقد يتعلقون بالألقاب، أو المناصب، أو الشهادات، أو كل وصف يسبق أسماءهم. وكأن الاسم وحده لم يعد كافيا ليشعرهم بذواتهم. ويكفي أن تتصفح بعض الحسابات في وسائل التواصل؛ فستجد من يحرص على إبراز كنيته في كل موضع، حتى إن من يعرفه قد يضطر إلى سؤال الآخرين عن اسمه.

تخيل شجرة تتباهى بأغصانها، ثم تخجل من جذورها. هل يبقى للغصن معنى إذا أنكر الأصل الذي خرج منه؟ كذلك الاسم هو الجذر، والكنية غصن نما بعده. وكل غصن يستمد حياته من جذره.

قد يضيف الزمن إلى الإنسان كنية، أو لقبا، أو منصبا، وقد يفقدها جميعا في مرحلة من مراحل حياته. أما الاسم، فلا يغادر صاحبه منذ اللحظة الأولى لوجوده. يرافقه في أوراقه، وفي ذاكرة من عرفوه وفي سجل التاريخ. ولهذا، فإن الاعتزاز بالاسم ليس اعتزازا بكلمة، فقد يكون اعتزازا بأول هوية حملها الإنسان، وبأصدق تعريف عرف به نفسه قبل أن تضيف الحياة إليه أي وصف آخر.

وقد تتغير كل الأوصاف، ويبقى الاسم شاهدا على صاحبه، كما بدأ به حياته.

كاتب رأي 

 

 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.