كُتاب الرأي

الكتاب نفسه… والقراء المختلفون

الكتاب نفسه… والقراء المختلفون

فيصل مرعي الكثيري 

أحيانا لا تنتهي الفكرة عند المقال الذي ولدت فيه. فقد تنتقل إلى قارئ، ثم تعود في صورة سؤال جديد إلى كاتب آخر. وهذا ما حدث لي وأنا أقرأ ما كتبه سعادة المستشار عبدالله الصعيري عن قيمة المحتوى وأثره، إذ قادني ذلك إلى سؤال مختلف: إذا كان المحتوى واحدا، فلماذا يخرج الناس منه بفهم مختلف؟
يبدو السؤال بسيطا، لكنه يرافقنا في تفاصيل كثيرة من حياتنا. فالكتاب الواحد قد يقرأه مئات الأشخاص، ثم يخرج كل واحد منهم بمعنى مختلف. ويحضر عدد من الناس المحاضرة نفسها، ثم يتذكر كل منهم جانبا غير الذي تذكره الآخرون. وقد يشهد مجموعة من الأشخاص الحادثة ذاتها، ثم يرويها كل واحد بصورة تختلف عن رواية الآخرين.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل يعود الاختلاف إلى المحتوى نفسه، أم إلى من يتلقاه؟
قد يرى بعض الناس أن المحتوى الجيد يفرض نفسه على الجميع، وأن الفكرة القوية تصل إلى العقول بالطريقة ذاتها. ولو كان الأمر كذلك لما اختلف الناس حول الكتب التي ملأت الدنيا نقاشا، ولما خرج القراء من النص الواحد بنتائج متباينة، بعضها متقارب وبعضها متناقض. هذا لا يعني أن جودة المحتوى غير مهمة. فالكاتب مسؤول عن وضوح الفكرة وقوة الحجة ودقة التعبير. غير أن الكاتب، مهما بلغت قدرته، لا يستطيع أن يقرأ النص نيابة عن الآخرين. فهناك دائما طرف آخر في المعادلة اسمه القارئ.
خذ مثالا من عالم القراءة. هناك من يفتح الكتاب وفي ذهنه سؤال يبحث له عن جواب، وهناك من يفتحه وفي ذهنه جواب يبحث له عن شاهد. الأول يقترب من النص ليفهمه، والثاني يقترب منه ليؤكد ما يعتقده مسبقا. وبين الطريقتين فرق كبير في النتيجة. ولهذا قد يقرأ شخصان الكتاب نفسه. أحدهما يخرج بأسئلة جديدة توسع أفقه، والآخر يخرج أكثر يقينا بما كان يؤمن به من قبل. ليس لأن الكتاب تغير بين أيديهما، وإنما لأن كل واحد منهما قرأ من خلال تجربته الخاصة وأسئلته الخاصة.
والأمر لا يقتصر على الكتب. فكم من نصيحة سمعها عشرات الأشخاص، فغيرت حياة بعضهم، ومرت على آخرين دون أثر يذكر. وكم من تجربة عاشها عدد من الناس معا، ثم تركت في كل واحد منهم انطباعا مختلفا. الإنسان لا يستقبل العالم بعينيه وحدهما.. فهو يراه أيضا من خلال خبرته واهتماماته ومخاوفه وآماله.
ولهذا أتوقف كثيرا أمام الأحكام القاطعة على الكتب والأفكار. حين يقول أحدهم إن كتابا ما لا فائدة فيه، يخطر لي سؤال مباشر: لا فائدة فيه لمن؟ وتحت أي ظرف؟ وبأي طريقة قُرئ؟ فهناك كتب أحدثت تحولا عميقا في حياة بعض الناس، ولم تترك أثرا يذكر في آخرين. وهناك فكرة يراها قارئ عادية، بينما يراها آخر نافذة فتحت له أفقا جديدا.
وقد يقال إن هذا الكلام يقلل من قيمة المحتوى نفسه. والحقيقة أنه يزيدها. فالنص العميق لا يمنح جميع قرائه المعنى نفسه. وكل قارئ يكتشف فيه معنى يتصل بمرحلته وأسئلته وتجربته. وربما كان هذا أحد أسرار بقاء بعض الكتب حية عبر الأجيال.
فالقارئ يتغير، والزمان يتغير، والظروف تتغير، بينما يظل النص القادر على إثارة الأسئلة منتجا لمعان جديدة كلما اقترب منه عقل جديد. ولهذا لا أرى أن السؤال الأهم هو: ما الكتاب الذي يستحق القراءة؟ فهناك سؤال يسبقه: كيف نقرأ؟ وبأي عقل ندخل إلى النص؟ وهل نبحث عن الحقيقة حيث تقودنا، أم نبحث عما يوافق ما نحمله مسبقا؟
من هنا تبدو المعرفة نتيجة لقاء بين طرفين: فكرة تستحق أن تقال، وعقل مستعد لأن يصغي إليها. فالمحتوى وحده لا يكفي، كما أن الرغبة في القراءة وحدها لا تكفي. وفي المسافة بين الكاتب والقارئ تتشكل رحلة الفهم كلها. ولعل أجمل ما في الكتابة أنها لا تتوقف عند صاحبها. فالفكرة تنتقل من عقل إلى آخر، وتولد منها أسئلة جديدة لم تكن حاضرة عند بدايتها. وما كتبه سعادة المستشار عبدالله الصعيري عن قيمة المحتوى قادني إلى التأمل في الطرف الآخر من المعادلة: القارئ. فبين الفكرة ومن يتلقاها عالم كامل من الخبرات والتجارب والأسئلة، وهناك تتحدد الطريقة التي نفهم بها ما نقرأ، وربما الطريقة التي نفهم بها الحياة نفسها.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.