كُتاب الرأي
من يعلّم العالم فن إدارة البشر؟

من يعلّم العالم فن إدارة البشر؟
فيصل مرعي الكثيري
ليس أعجب في هذا العصر من مشهد ملايين البشر وهم يتحركون في مساحة محدودة، بملامح مختلفة ولغات شتى وأمزجة جاءت من أطراف الأرض، ثم يمضون جميعا في نسيج واحد يكاد يخلو من الفوضى. إن الذي ينظر إلى الحج بوصفه تجمعا دينيا ضخما يفوته جوهر الصورة، فالحكاية أعمق من الحشود وأبعد من الأرقام، لأنها تكشف قدرة الإنسان حين يقترن الإيمان بالتنظيم، وتلتقي النفس بالعقل المدبر.
في مواسم كثيرة حول العالم، يكفي تعطل قطار واحد أو ازدحام شارع محدود حتى تتجهم المدن، وترتبك الأنظمة، ويعلو صخب الناس. أما في الحج، فأنت أمام حركة بشرية هائلة تتدفق في زمن متقارب ومساحات شديدة الحساسية، فإذا بالمشهد يمضي بدرجة تثير التأمل. هنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح: من يعلّم العالم فن إدارة البشر؟
إن عبقرية المملكة العربية السعودية في إدارة الحج لا تظهر في كثرة الآليات وحدها، فهي تمتلك قدرة لافتة على صناعة الطمأنينة داخل واحدة من أكثر البيئات البشرية ازدحاما على وجه الأرض. فالمقصود من كل هذه المنظومة ألا ينشغل الإنسان بالطريق عن الغاية ولا بالإجراء عن الشعيرة. ولهذا جاء قطار المشاعر ليختصر مشقة التنقل، وجاءت مبادرة “طريق مكة” لتنجز إجراءات الحاج في بلده قبل أن يصل، حتى يبدو الانتقال إلى الديار المقدسة أقرب إلى عبور خال من التوتر. وقد ترى حاجا مسنا أضاع موقع حملته بين الجموع، فتقوده بطاقة “نسك” الذكية إلى مكانه في دقائق يسيرة، أو تشاهد رجل أمن يبتسم لحاج مرتبك لا يفهم اللغة، فيرشده بإشارة بسيطة تختصر عليه عناء السؤال. هنا تدرك أن التقنية لم توضع لاستعراض الحداثة، فهي جاءت لتخفيف العبء عن الإنسان حين يرهقه الزحام والتيه والتعب، وأن التنظيم الحقيقي لا يرفع صوته، لأنه يعمل في صمت يشبه انتظام النبض في الجسد السليم.
وفي المشاعر المقدسة تفاصيل صغيرة تكشف عقلا يعرف قيمة الإنسان؛ رذاذ الماء الذي يخفف وهج الأرض والمسارات التي تنظم تدفق الحشود، والفرق الطبية المنتشرة في قلب الزحام، والمتطوعون الذين يتحركون ببشاشة لا تشبه ملامح الوظيفة الجامدة. هذه الأعمال تبدو متفرقة في ظاهرها، ثم تتحول حين تجتمع إلى شعور داخلي بالأمان يجعل الحاج أكثر قدرة على التفرغ لعبادته وسكينته النفسية.
والتأمل العميق في الحج يكشف أن إدارة البشر ليست قوة صوت، ولا كثرة أوامر، ولا استعراض حضور رسمي، هي فهم دقيق لطبيعة الإنسان حين يخاف ويتعب، ويتيه، ويبحث وسط الزحام عمّن يرشده برفق. ولهذا تبدو تجربة الحج درسا حضاريا يندر أن يتكرر في مكان آخر. ملايين البشر يتحركون في وقت واحد، داخل واحدة من أعقد البيئات البشرية على وجه الأرض، ومع ذلك يبقى المشهد العام أقرب إلى السكينة منه إلى الفوضى.
والمصلح والكاتب حين يكتب عن الحج، لا يكتب عن أرقام الوفود وعدد الرحلات بقدر ما يتأمل هذه اللوحة الإنسانية الفريدة.. أمة كاملة جاءت من جهات الأرض المختلفة، تتحرك في انسجام يثير الدهشة، وتسندها بلاد جعلت من خدمة الإنسان معنى من معاني رسالتها الحضارية. وهنا يعود السؤال مرة أخرى، أكثر عمقا هذه المرة: إذا كانت مدن كثيرة تعجز عن تنظيم شارع ساعة الذروة، فمن يعلّم العالم فن إدارة البشر؟
