يا هيئة المسرح الموقرة

يا هيئة المسرح الموقرة
إلى هيئة المسرح والفنون الأدائية الموقرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،
تتجه عدسات العالم في موسم الحج إلى مكة المكرمة، لا بوصفها مدينة تستقبل حدثًا موسميًا عابرًا، بل باعتبارها مركزًا إنسانيًا وروحيًا تتحرك نحوه الأرض كلها. هناك، حيث تتلاشى المسافات بين الشعوب، وتذوب الفوارق بين البشر، يقف الإنسان مجردًا من كل شيء إلا قلبه، في مشهد لا يشبه أي مشهد آخر على وجه العالم. ملايين الوجوه، وآلاف اللغات، وأمواج البشر التي تتحرك حول الكعبة بإيقاع واحد، تمنح العالم لوحة لا تستطيع أعظم المسارح العالمية أن تصنع نظيرًا لها، لأنها ليست مشهدًا مصنوعًا، بل حياة كاملة تتحرك بروح واحدة.
وفي كل عام، تعبر صور الحج القارات والشاشات والمنصات العالمية، فيقف العالم مأخوذًا أمام هذا الحدث الاستثنائي؛ أمام الطواف الذي يبدو كأنه حركة كونية لا تنتهي، وأمام عرفات التي تتحول إلى بحر بشري هائل ترفرف فوقه الدعوات والدموع، وأمام السعي الذي يحمل في عمقه ذكرى أم عظيمة كانت تركض بين جبلين بحثًا عن النجاة والحياة. ومع هذا الثراء البصري والإنساني والرمزي، يظل سؤال الفن غائبًا، أو يكاد: أين المسرح من كل هذا؟ وأين هيئة المسرح والفنون الأدائية من أعظم مشهد إنساني وروحي تشهده الأمة الإسلامية كل عام؟
إن الحج ليس مجرد شعيرة تؤدى، بل نص إنساني مفتوح على التأويل والدهشة والجمال. فيه الدراما بأعمق معانيها؛ الرحلة، والخوف، والرجاء، والفقد، والتوبة، والانكسار، والتحول، والبحث عن الخلاص. وفيه أيضًا أعظم العناصر التي يحلم بها الفن المسرحي؛ الحركة الجماعية، والرمز، والصوت، والإيقاع، والضوء، والملابس الموحدة، والمشهدية البصرية التي تتجاوز حدود الخيال. ولو أن مخرجًا عالميًا أراد أن يصنع عرضًا عن وحدة البشرية، لما استطاع أن يجد صورة أصدق من الطواف حول الكعبة، حيث تتحرك الإنسانية كلها داخل دائرة واحدة، كأن العالم يعود إلى نقطة البدء الأولى.
إن المسرح، في جوهره الحقيقي، ليس منصة للترفيه فقط، بل أداة لحفظ الذاكرة الإنسانية وتحويل اللحظات الكبرى إلى أعمال خالدة. والحج واحد من أعظم الأحداث التي صنعت الوجدان الإسلامي عبر القرون، ومع ذلك ما تزال الأعمال المسرحية الكبرى التي تستلهمه قليلة ونادرة، رغم أن هذا الموسم يملك من القصص ما يكفي لإنتاج عشرات المسرحيات والعروض الأدائية والأوبريتات والأعمال البصرية.
أين الأعمال التي تستعيد قوافل الحجاج القديمة وهي تعبر الصحارى والبحار شوقًا إلى مكة؟
أين المسرحيات التي تحكي عن الحاج الذي جاء مثقلًا بالحياة ثم عاد بروح أخرى؟
أين العروض التي تستلهم نداء إبراهيم للحج، ذلك النداء الذي ما يزال يعبر القرون ليستجيب له الملايين حتى اليوم؟
أين المسرح البصري الذي يحوّل الطواف إلى لغة ضوء وحركة وصوت؟
وأين العروض الشعرية التي تجعل عرفات لحظة تأمل إنساني كبرى تقف فيها الروح أمام نفسها؟
إن الحديث عن الفن في موسم الحج لا يعني الاقتراب من قدسية الشعائر بصورة تمس جلالها، بل يعني أن يتحول هذا الحدث العظيم إلى مصدر إلهام ثقافي وإنساني راقٍ، يعبّر عن عمقه الروحي والحضاري. فالعالم كله اليوم يصنع من ذاكرته مهرجانات وأعمالًا فنية تحفظ هويته، بينما تمتلك المملكة العربية السعودية كنزًا إنسانيًا وروحيًا لا مثيل له، يتمثل في الحج، بكل ما يحمله من تاريخ ورمزيات ومشاهد ومشاعر.
ولعل من المهم هنا أن ندرك أن المسرح السعودي اليوم يعيش مرحلة تحول كبرى، مدعومة برؤية ثقافية طموحة تسعى إلى بناء فن سعودي يحمل هويته الخاصة، لا أن يكون مجرد صدى لتجارب الآخرين. ولا توجد مادة قادرة على منح المسرح السعودي هويته العميقة مثل الحج؛ لأنه ينبع من المكان، ومن التاريخ، ومن الروح الإسلامية، ومن الذاكرة العربية التي تشكلت حول مكة عبر قرون طويلة.
إن العالم لا يحتاج فقط إلى أن يرى الحشود وهي تتحرك، بل يحتاج أن يسمع الحكايات المختبئة داخل هذه الرحلة؛ حكايات الأمهات اللواتي حملن الدعاء لأبنائهن، والشيوخ الذين انتظروا هذه اللحظة عمرًا كاملًا، والغرباء الذين جاؤوا من أقاصي الأرض ليقفوا لأول مرة أمام الكعبة فيبكون دون أن يعرفوا لماذا. تلك القصص ليست مجرد مشاعر عابرة، بل مادة إنسانية وفنية هائلة، لو قُدمت بلغة مسرحية راقية، لتحولت إلى أعمال قادرة على مخاطبة العالم كله.
كما أن الحج يمنح الفنون الأدائية فرصة نادرة لابتكار شكل مسرحي مختلف، لا يعتمد فقط على الحوار التقليدي، بل على الصورة والحركة والإنشاد والإضاءة والإيقاع الجماعي. فالحج نفسه قائم على الحركة الرمزية؛ الطواف دائرة، والسعي رحلة، وعرفات وقفة تأمل، ورمي الجمرات فعل رمزي يحمل معاني المواجهة والتطهر والانتصار على النفس. وكل ذلك يمكن أن يتحول إلى لغة مسرحية عالمية مبهرة، لو وُجد المشروع الفني الذي يؤمن بهذه الفكرة.
إن هيئة المسرح والفنون الأدائية اليوم تملك فرصة تاريخية لصناعة موسم ثقافي موازٍ للحج، موسم لا ينافس الشعيرة، بل يضيء أبعادها الإنسانية والحضارية والجمالية، ويجعل من مكة مصدر إلهام فني كما كانت دائمًا مصدر إلهام روحي. يمكن أن تُقام عروض شعرية، ومسرحيات تاريخية، وتجارب بصرية، وعروض أدائية صامتة، ومشاريع تفاعلية تستلهم رحلة الحاج عبر العصور، لتصبح المملكة رائدة أيضًا في تقديم الفن الروحي والإنساني المرتبط بالحج.
إن أعظم ما يمكن أن يفعله المسرح هو أن يمنح اللحظة عمرًا أطول من زمنها، والحج لحظة تتكرر كل عام، لكنها تستحق أن تبقى حيّة في الذاكرة الثقافية كما تبقى حيّة في وجدان المسلمين. ولذلك يبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة:
متى يصبح للحج موسمه المسرحي؟
ومتى تتحول هذه الرحلة الخالدة إلى أعمال فنية تحفظها ذاكرة الفن كما تحفظها ذاكرة الإيمان؟
بقلم. د. عبدالرحمن الوعلان


