الدعم النوعي للمسرح السعودي

الدعم النوعي للمسرح السعودي
أماني الزيدان
في كل أمةٍ حيّة لا يأتي المسرح متأخرًا عن الحضارة، بل يسير معها كتفًا بكتف، لأنه الفن الذي يكشف روح المجتمع وهو ينظر إلى نفسه في مرآة الضوء والصوت والحكاية. وحين نتأمل المسرح السعودي اليوم فإننا لا نرى مجرد عروض تُقام فوق الخشبة، بل نرى مشروعًا ثقافيًا كاملًا صنعته أيادٍ كثيرة آمنت بأن الفن ليس ترفًا عابرًا، وإنما ضرورة إنسانية تبني الوعي وتُهذب الذائقة وتمنح الحياة بعدًا أكثر جمالًا وعمقًا.
لقد كان المسرح السعودي طويلًا يشبه ذلك الحلم الذي يقاوم العتمة؛ يولد أحيانًا في المدارس، ويتنفس في الأندية الأدبية، ويكبر بصعوبة داخل قاعات صغيرة، بينما المسرحيون يحملون النصوص في قلوبهم قبل أيديهم، ويؤمنون أن الخشبة يمكن أن تكون وطنًا صغيرًا للحلم والحقيقة معًا. كانت التجارب الأولى متواضعة في إمكاناتها، لكنها عظيمة في شغفها، لأن الذين وقفوا فوق الخشبة آنذاك لم يكونوا يبحثون عن الشهرة بقدر ما كانوا يبحثون عن معنى، عن صوت، عن نافذة يطل منها الإنسان السعودي على ذاته وقضاياه وأحلامه.
ومع السنوات بدأت المملكة تنظر إلى الثقافة بعين جديدة؛ عين تدرك أن الأمم لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى أيضًا بالكلمة والصورة والفن. ومن هنا جاء التحول الكبير، حين أصبح المسرح جزءًا من مشروع ثقافي وطني واسع تقوده وزارة الثقافة التي أعادت ترتيب المشهد الثقافي برؤية حديثة جعلت المسرح أحد أهم عناصر الحراك الإبداعي في البلاد. لم يعد المسرح نشاطًا هامشيًا يُقام على استحياء، بل أصبح مساحة وطنية للفكر والجمال، ومنبرًا للحوار، وجسرًا يصل بين الإنسان ومجتمعه.
إن الدعم الحقيقي لا يعني المال وحده، بل يعني أن يشعر الفنان أن هناك من يؤمن به، ومن يفتح له الباب كي يحلم بصورة أكبر. وهذا ما فعلته المؤسسات الثقافية السعودية حين منحت المسرحيين مساحة ليكتبوا ويجرّبوا ويغامروا ويكتشفوا أصواتهم الخاصة. فجأة بدأت الخشبات تتوهج، وبدأت النصوص السعودية تخرج من عزلتها، وظهرت أسماء جديدة تحمل لغة مختلفة ورؤية أكثر عمقًا وجرأة.
وكان لـ هيئة المسرح والفنون الادائية ، دور يشبه دور المخرج الذي أعاد ترتيب المشهد المسرحي كله؛ إذ لم تكتفِ الهيئة بتنظيم الفعاليات، بل عملت على صناعة بيئة مسرحية حقيقية. أقامت الورش، واحتضنت المواهب، ودفعت نحو الاحتراف، وربطت المسرح السعودي بالتجارب العربية والعالمية. لقد تحوّل المسرحي السعودي من هاوٍ يكافح وحده إلى فنان يجد حوله منظومة كاملة تؤمن بأن الإبداع يحتاج إلى رعاية واستمرارية.
ومن أجمل ما حدث للمسرح السعودي أن الدعم لم يعد محصورًا في المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبح المجتمع نفسه شريكًا في هذا الحراك. فالجمهور السعودي الذي كان ينظر إلى المسرح بوصفه فنًا محدود الحضور، بدأ يكتشف سحره من جديد. صار الناس يذهبون إلى العروض لا بحثًا عن الترفيه فقط، بل بحثًا عن التجربة الإنسانية؛ عن الضحكة التي تكشف وجعًا خفيًا، وعن الحكاية التي تشبههم، وعن الشخصيات التي تمشي بينهم كل يوم دون أن ينتبهوا إليها.
كما لعبت الجامعات والمدارس والأندية الثقافية دورًا بالغ الأهمية في صناعة هذا الوعي المسرحي الجديد. ففي هذه الأماكن الصغيرة غالبًا ما تبدأ الأحلام الكبرى. هناك يكتشف الطالب صوته لأول مرة فوق الخشبة، وهناك تتشكل علاقة الإنسان بالمسرح بوصفه مساحة للحرية والتعبير والتفكير. ولهذا فإن كثيرًا من المسرحيين السعوديين خرجوا من رحم المسرح المدرسي والجامعي قبل أن يصبحوا أسماء معروفة في المشهد الثقافي.
ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته رؤية المملكة 2030 في هذا التحول التاريخي؛ فالرؤية لم تتعامل مع المسرح بوصفه نشاطًا ترفيهيًا ثانويًا، بل بوصفه صناعة ثقافية واقتصادية وإنسانية قادرة على تحسين جودة الحياة وتعزيز الهوية الوطنية. ومن هنا جاء الاهتمام ببناء المسارح الحديثة، وإطلاق المواسم الثقافية، وتشجيع الإنتاج الفني، ودعم المهرجانات، وتمكين الفنان السعودي من الوصول إلى العالم.
لقد أصبح المسرح السعودي اليوم أكثر ثقة بنفسه؛ فهو لم يعد يقلد التجارب الأخرى بقدر ما يحاول اكتشاف صوته الخاص. النصوص السعودية بدأت تستلهم البيئة المحلية، واللهجات، والحكايات الشعبية، والتحولات الاجتماعية، والذاكرة الوطنية، لتصنع مسرحًا يحمل روح المكان السعودي بكل ما فيه من تنوع وثراء. وهذا ما يمنح المسرح السعودي فرادته الحقيقية؛ لأنه كلما اقترب من الإنسان المحلي بصدق، اقترب أكثر من الإنسانية كلها.
أما القطاع الخاص فقد بدأ يدرك أن المسرح ليس عبئًا ثقافيًا، بل فرصة حضارية واستثمارية أيضًا. لذلك بدأت بعض المؤسسات والشركات في رعاية العروض والمهرجانات والجوائز المسرحية، إدراكًا منها أن الفنون جزء من صورة المجتمع المتطور، وأن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان ذاته.
كاتبة مسرح


