حين يكتب تاريخنا زوربا

حين يكتب تاريخنا زوربا
محمد الفريدي
يُعدّ أديبنا ومؤرخنا الكبير الصحفي القدير محمد حسين زيدان رحمه الله واحدا من أبرز رموز الثقافة والأدب في القرن العشرين، ومن الأسماء التي ارتبطت بتاريخ المدينة المنورة ارتباطا وثيقا علما وكتابة وتوثيقا.
وُلد في المدينة المنورة عام 1906م، ونشأ في بيئة علمية ودينية وثقافية كان لها أثر مباشر في تكوين شخصيته الفكرية والأدبية، حيث تلقى تعليمه الأولي فيها، وتعلم القراءة والكتابة مبكرا، ثم التحق بالكتاتيب والمدرسة النظامية، وتلقى علوم اللغة والفقه والتاريخ على أيدي علماء المدينة، ما شكّل أساسا متينا لبداياته الثقافية.
عاش زيدان في مدينة تُعد مركزا علميا وثقافيا نشطا، فتأثر بمجالس العلم في المسجد النبوي، واحتك بالعلماء وطلاب العلم القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وهو ما عمّق لديه الحس التاريخي والمعرفي منذ سن مبكرة، وجعل المدينة محورا رئيسيا في تكوينه الثقافي والوجداني.
لم يكن محمد حسين زيدان أديبا فحسب، بل كان موسوعة معرفية تجمع بين المؤرخ والصحفي وكاتب المقالات والنسّابة، مع اهتمام واسع بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للمدينة المنورة والحجاز، وقد انعكس هذا التنوع في أعماله التي اتسمت بالجمع بين السرد الأدبي والتحليل التاريخي العميق.
عمل في عدد من المؤسسات الصحفية، وتولى رئاسة تحرير صحف ومجلات بارزة مثل (البلاد) و(الندوة) ومجلة دارة الملك عبدالعزيز، وأسهم في ترسيخ أسلوب صحفي يقوم على التوازن بين الخبر والتحليل، مع معالجة قضايا المجتمع والثقافة والتاريخ برؤية واعية تجمع بين الرصانة والوضوح.
كما شارك في برامج إذاعية وتلفزيونية تناولت قضايا التاريخ والثقافة والسيرة، مما عزز حضوره العام وجعل صوته الفكري قريبا من الجمهور، لا محصورا في النخبة الثقافية فقط.
وألّف ما يقارب 18 كتابا تنوعت بين التاريخ والأدب والفكر، من أبرزها:
- ذكريات العهود الثلاثة.
- المنهج المثالي لكتابة تاريخنا.
- عبدالعزيز والكيان الكبير.
- العرب بين الإرهاص والمعجزة.
ويُعد كتابه (ذكريات العهود الثلاثة) من أهم المصادر التي وثّقت تحولات المدينة المنورة، وخاصة أحداث (سفر برلك) خلال عهد فخري باشا في الحرب العالمية الأولى. وقد اعتمد فيه على ذاكرته الشخصية في طفولته، إضافة إلى ما سمعه من معاصرين عاشوا تلك المرحلة، وما جمعه لاحقا من روايات ومادة تاريخية عند تدوين مذكراته، ما جعل روايته أقرب إلى شهادة غير مباشرة تستند إلى الذاكرة والسماع.
ويُنظر إليه باعتباره أحد أبرز من وثّق تاريخ المدينة المنورة في العصر الحديث، حيث جمع بين الرواية التاريخية والبعد الإنساني، مقدما صورة واسعة عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها المنطقة.
كما اتسعت رؤيته الفكرية لتشمل الأدب والتاريخ والفكر الإسلامي والشأن الاجتماعي، إلى جانب القضايا الثقافية والسياسية في العالم العربي، وهو ما جعله يقترب من مفهوم (الأديب الشامل) الذي يجمع بين أكثر من حقل معرفي في آن واحد.
وفي رؤيته للصحافة، كان يؤكد أن العمل الصحفي مسؤولية قبل أن يكون مهنة، وأن الكلمة أمانة لا تحتمل التزييف، مع ضرورة الاقتراب من الواقع والناس، وتحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية، والنقد البنّاء والطرح الواعي.
ارتبط اسمه بالمدينة المنورة ارتباطا وجدانيا عميقا، حيث كان يرى فيها ذاكرة حيّة للتاريخ وسيرة حضارة ممتدة، وكان يصفها بأنها (مدرسة مفتوحة) يتعلم فيها الإنسان من الحياة قبل الكتب، ومن الناس قبل المدارس .
انعكس هذا الارتباط في كتاباته التي وثّقت الحياة الاجتماعية والعمرانية والتحولات التي شهدتها المدينة، حيث تناول البساطة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية بروح المؤرخ الذي يوثق دون أن ينفصل عن الذاكرة.
كما وثّق عادات أهل المدينة في استقبال الحجيج من مختلف الجنسيات في بيوتهم، وإعداد الطعام لهم دون مقابل، بوصفها صورة من صور الكرم التي ارتبط بها أهل المدينة عبر أجيال متعاقبة، وأظهرت عمق العلاقة الإنسانية التي تجاوزت حدود الضيافة إلى معاني المشاركة والتسابق في خدمة ضيوف الرحمن.
كما كان يرى أن الانتماء للوطن لا يُقاس بالشعارات، وإنما بالفعل والمعرفة، وأن الثقافة الحقيقية تقوم على التراكم والتجربة، لا على المعرفة السطحية.
وتنقل في مسيرته بين التعليم والعمل الإداري، حيث عمل معلما للتاريخ والمواد الدينية نحو 12 عاما، كما شغل وظائف في دار الأيتام، ثم في وزارة المالية مفتشا عاما، وكانت هذه آخر محطة وظيفية له قبل تقاعده عام 1954م.
وتكوينه العلمي لم يكن اكاديميا بالمعنى الحديث، بل اعتمد على التعليم التقليدي في المدينة المنورة، ثم القراءة الذاتية الواسعة والتجربة الصحفية، ما جعله نموذجا للأديب الذي تشكّل وعيه من البيئة قبل المؤسسات.
ومن المحطات المبكرة في حياته أنه بدأ تعلّم القراءة والكتابة في الكتاتيب وسوق الحراج، ثم واصل تعليمه في المدرسة العبدلية بالمدينة المنورة التي تخرج منها عام 1925م، في مرحلة انتقالية شهدت بدايات التعليم النظامي في المملكة.
وقد أسهم هذا التنوع في تكوينه الثقافي في جعله قريبا من الحياة اليومية للمجتمع، ومطلعا على التحولات الاجتماعية التي رصدها لاحقا في كتاباته التاريخية.
ولقب بـ(زوربا الحجاز) تشبيها له بشخصية (زوربا اليوناني) الواردة في رواية نيكوس كازانتزاكيس، وهو رجل بسيط متمرد يعشق الحياة والحرية، ويمتاز بسعة الاطلاع والشمولية الثقافية والعمق التاريخي، بالإضافة إلى إقباله على الحياة، وحضوره الأدبي الذي يجمع بين الصحافة والتاريخ والتأليف، إضافة إلى أسلوبه المميز في السرد والكتابة وتأثيره في المشهد الثقافي السعودي الحديث.
ويظل محمد حسين زيدان واحدا من الأصوات الثقافية التي لم تتعامل مع التاريخ بوصفه مادة جامدة، وإنما بوصفه حياة كاملة تُستعاد وتُفهم وتُروى من داخلها، فقد اشتغل على الذاكرة بوصفها مصدرا لا يقل أهمية عن الوثيقة، وقدم نموذجا للكاتب الذي يقرأ الواقع بعين المؤرخ، ويقرأ الماضي بعين الصحفي الذي لا يهادن في التفاصيل.
وكان يقول إن الصحافة مسؤولية قبل أن تكون مهنة، وإن الكلمة إذا كتبت أصبحت شاهدا على صاحبها لا تبريرا له، لذلك كان يصر على الدقة في النقل، وعلى الاقتراب من الحقيقة دون مبالغة أو تضخيم، لأن الخطأ في الخبر عنده ليس مجرد زلة، وإنما خلل في الأمانة.
وكان يؤكد أن التوثيق ليس جمع أحداث متفرقة، وإنما فهم للسياق الذي صنع الحدث، وأن المؤرخ الحقيقي هو من يعيد بناء الصورة كاملة، لا من يكتفي بتسجيل أطرافها، لأن التاريخ في نظره ليس حكاية تُروى، وإنما وعي يُبنى.
وكان يقول إن الكتابة ليست صناعة لغوية باردة، وإنما هي امتداد مباشر للتجربة الإنسانية، وإن النص الذي لا يحمل أثر صاحبه وروحه ومعرفته واحتكاكه بالحياة يبقى ناقصا مهما بدا متماسكا في ظاهره.
ولهذا ومع امتداد تجربته، برز حضوره بوصفه مثقفا لا يكتفي بالتسجيل، وإنما يعيد ترتيب المشهد التاريخي والاجتماعي وفق رؤية واعية ترى في الإنسان مركز الحكاية، وفي المدينة المنورة مختبرا مفتوحا للتاريخ والذاكرة والتحولات.
وقد ظل تأثيره ممتدا في الكتابة السعودية الحديثة، لأن أعماله لم تكن محصورة في السرد، وإنما انفتحت على التحليل والتأمل وربط الأحداث بسياقاتها الاجتماعية والسياسية، وهو ما منح نصوصه طابعا يتجاوز التوثيق التقليدي إلى بناء رؤية.
وتبقى المدينة المنورة في كتاباته ليست مجرد مكان، وإنما ذاكرة حيّة تتحرك داخل النص، تتشكل من الناس والعادات والتحولات اليومية التي وثقها بعين لا تكتفي بالمشاهدة، وإنما تتجاوزها إلى الفهم.
رحل محمد حسين زيدان من دنيانا عام 1992م، بعد أن ترك لنا إرثا أدبيا وتاريخيا غنيا ما زال مرجعا مهما للباحثين والمهتمين بتاريخ المدينة المنورة والأدب السعودي الحديث، وأسهم في تشكيل الوعي الثقافي والفكري في المملكة، وبقي أثره حاضرا في نصوصه التي كتبها عن التاريخ دون أن تنفصل عن الإنسان، وفي تجربته التي أثبتت أن الكاتب الحقيقي لا يكتفي بنقل ما يحدث، وإنما يعيد إخضاعه للنقد وإعادة صياغته من جديد.
وسيظل اسمه حاضرا بوصفه علامة بارزة في مسار الكتابة التاريخية والصحفية في المملكة، وتجربة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تطور الوعي الثقافي في المدينة المنورة وفي الأدب السعودي الحديث.
فرحم الله أديبنا الكبير محمد حسين زيدان رحمة واسعة، فقد كان قامة فكرية وأدبية نادرة، ترك أثرا باقيا في ذاكرتنا الثقافية، وسيظل اسمه شاهدا على علمه وأدبه الذي امتزج فيه التاريخ بالأدب والوعي بالرسالة، فكان بحق رمزا من رموزنا التي لا يطويها الزمان.




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما شاء الله تبارك الله
مقال مميز ورائع عن شخصية ثقاقية سعودية كبيرة ومميزة ؛ قد عرفنا وحفظنا صوته وأحببناه قبل أن نرى صورته !
يملك الاستاذ الكبير محمد حسين زيدان رحمه الله تعالى مقومات الكاتب والمثيقف الكبير الذي أثر وتأثر بالواقع وكانت له تلك الآثار المميزة في حياة الناس الأدبية والثقافية …
شكرا. شكرا لكم أبا سلطان على تسليط بعض الضوء على شخصية ثقافية كبيرة بقامة الأستاذ محمد حسين زيدان. رحمه الله تعالى …
دام مدادك وطاب فؤادك
ويرحم الله الاديب المؤرخ المفكر الصحفي محمد بن حسن زيدان
الله ،،،،
وأجمل شيئ يبهرني فيه حديثه الشفهيّ،،،فعندما يتحدث تأسرك لغته وأسلوبه ولغة جسده وابتسامته الأنيقه وذاكرته المدرار !!
رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنات ،،،
👍👍