كُتاب الرأي

لا أحد

لا أحد

فيصل مرعي الكثيري 

في حياتنا اليومية نسعى دائما إلى الألفة، نبحث عن وجوه نعرفها ونبني مدنا مزدحمة لكي لا نشعر بالوحدة. الغريب في الأمر هو أننا حين نجد أنفسنا في أكثر الأماكن قربا من الناحية الفيزيائية، نمارس أقسى أنواع الغربة المتعمدة. المصعد هو ذلك المكان الذي تلتقي فيه الأجساد وتتخاصم فيه الأرواح في صمت مهيب، حيث تتحول الثواني القليلة إلى اختبار لقدرتنا على تحمل الآخر دون وسيط. ​هذه العلبة المعدنية المعلقة بين الأرض والسماء تمثل برزخا زمنيا ومكانيا؛ فنحن فيها لسنا في الشارع ولسنا في مكاتبنا، نحن عالقون في منطقة لا أحد، حيث تتجمد الهويات وتتعلق الألقاب على باب الدخول، لنصبح جميعا مجرد ركاب في سفينة صغيرة تتقاذفها الطوابق. في هذا الضيق، تبدو عيون الغرباء مثل أقطاب مغناطيسية متشابهة؛ كلما اقتربت من بعضها، بذلت جهدا لكي تتنافر وتتجه إلى زوايا الغرفة، ويتحول التحديق في أرقام الطوابق إلى مراقبة لعداد الأكسجين في غواصة، كأننا نعد الثواني المتبقية لنعود إلى الهواء الطلق حيث يحمينا الاتساع من الاقتراب. ​لماذا يستميت الجميع في مراقبة حركة الأرقام كأنها وحي منزل؟ أو يلوذون بشاشات هواتفهم وكأن فيها نجاتهم من غرق وشيك؟ ​الهاتف الذكي في يد الراكب يشبه الخوذة النفسية التي يرتديها المقاتل ليخفي ملامح وجهه؛ فالمستغرق في هاتفه يرسل رسالة صامتة للجميع مفادها: ((أنـا مشغول، فلا تحاولوا اختراق عزلتي)). هذا الهروب هو في جوهره رغبة في تجنب الاعتراف بوجود الآخر؛ فنحن نخشى أن نظرة واحدة قد تفتح بابا لسؤال، أو تفرض علينا مجاملة لا نملك طاقتها أو تكشف هشاشتنا خلف أقنعتنا الرسمية.
​في هذا الصمت المطبق، يصبح صوت نفس الغريب بجانبك مثل موسيقى تصويرية مزعجة؛ تبدأ في حساب وتيرة شهيقه وزفيره، ويتحول هذا الفعل البشري الطبيعي إلى صخب يقتحم خصوصيتك. راقب أيضا حركة الأقدام حين يدخل شخص جديد .. إنها تشبه رقصة الشطرنج، حيث يتحرك الجميع بمقدار سنتيمترات مدروسة ليعيدوا توزيع الفراغ، كأن هناك قانونا غير مكتوب ينص على أن ملامسة كتف الغريب هي خطيئة اجتماعية لا تغتفر.
​إنها الهشاشة الإنسانية في أبهى صورها؛ فنحن الكائنات التي ملأت الأرض جلبة، نقف عاجزين عن إدارة علاقة بصرية لمدة عشر ثوانٍ مع شبيه لنا في الخلق. وعندما يفتح الباب أخيرا، نتنفس الصعداء كأننا خرجنا من سجن، ونعود إلى زحام الشارع حيث يسهل علينا الاختباء مرة أخرى خلف الجموع، بعد أن كاد المصعد أن يجعل منا بشرا يعرف بعضهم بعضا.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى