كُتاب الرأي

” نريد تعليماً أقل وتعلماً أكثر “

” نريد تعليماً أقل وتعلماً أكثر “
…………

أطلق وزير التعليم السابق الدكتور عزام الدخيل عبارة لافتة تحمل في طياتها رؤية تربوية عميقة حين قال : ” نريد تعليماً أقل وتعلماً أكثر ” ،
وهذا ما كنت أنادي به دوماً ، فهذه العبارة القصيرة في مبناها ، الكبيرة في معناها ، تختصر جانباً مهماً من فلسفة التعليم الحديثة.

فالمقصود ليس التقليل من أهمية التعليم ، وإنما الانتقال من التركيز على ( التلقين ) إلى التركيز على ( التعلم الحقيقي ) ، ومن كثرة المعلومات إلى جودة اكتسابها وتوظيفها ، ومن دور المعلم بوصفه ناقلاً للمعلومة إلى دوره بوصفه موجهاً ومحفزاً وميسراً للتعلم.

ولعل أبسط مثال على ذلك الطفل الذي تنكسر لعبته. فإذا اكتفينا بشرح طريقة إصلاحها له ، فقد يفهم الشرح لحظياً ثم ينساه بعد فترة قصيرة ، أما إذا أمسك بالأدوات بنفسه وحاول الإصلاح وخاض التجربة عملياً، فإن الخبرة ستبقى راسخة في ذهنه ، لأن الإنسان يتعلم مما يمارسه أكثر مما يسمعه.

والأمر ذاته ينطبق على الطلاب داخل الفصول الدراسية ؛ فالطالب الذي يشرح الدرس لزملائه ، أو يشارك في تنفيذ تجربة ، أو يبحث عن المعلومة بنفسه ، أو يناقشها ويطبقها عملياً ، يكون أكثر فهماً واستيعاباً ممن يكتفي بالجلوس والاستماع فقط. فالممارسة ليست مجرد وسيلة للتعلم ، بل هي أقصر الطرق لترسيخ المعرفة وتحويلها إلى مهارة وسلوك.

لقد أثبتت التجارب التربوية أن العقول لا تنمو بالحفظ وحده ، وإنما بالنقاش والتجربة والاستكشاف وحل المشكلات . فكم من معلومة حفظناها لأجل اختبار ثم نسيناها بعد أيام ، وكم من تجربة عشناها بأنفسنا بقيت عالقة في ذاكرتنا سنوات طويلة .

إن المدارس والجامعات اليوم مطالبة بأن تجعل الطالب محور العملية التعليمية ، وأن تتيح له فرصاً أكبر للبحث والتجريب والعمل الجماعي والمشروعات التطبيقية ، بدلاً من الاعتماد المفرط على المحاضرات التقليدية والواجبات القائمة على الحفظ والاسترجاع فقط.

كما أن التعلم الحقيقي لا يقتصر على أسوار المدرسة، بل يمتد إلى المنزل والشارع والمكتبة والرحلات والأنشطة التطوعية والبرامج التدريبية . فكل تجربة يعيشها الإنسان هي درس جديد يضيف إلى رصيده المعرفي والمهاري .

إن الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه بكثرة الشهادات وحدها ، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى إبداع ، والمعلومة إلى تطبيق ، والفكرة إلى مشروع ، والتعليم إلى تعلم مستمر لا يتوقف عند مرحلة عمرية معينة.

لذلك فإننا حين نقول: ” نريد تعليماً أقل وتعلماً أكثر ” فإننا ندعو إلى تعليم يوقظ الفضول ، وينمي التفكير ، ويصنع الباحث والمبتكر ، لا مجرد الحافظ للمعلومات. نريد تعليماً يجعل الطالب شريكاً في بناء المعرفة ، لا مستودعاً لها ، ويمنحه القدرة على التعلم الذاتي مدى الحياة.

فالمستقبل لن يكون لمن يعرف أكثر فحسب، بل لمن يستطيع أن يتعلم أكثر ، ويتكيف أسرع ، ويحول ما تعلمه إلى عمل وإنجاز وأثر نافع .

………………..

ابتسام عبدالعزيز الجبرين
نائب رئيس التحرير

 

ابتسام عبدالعزيز الجبرين

نائبة رئيس التحرير( كاتبة رأي ومؤلفة )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.