” عبدالعزيز بن باز.. علمٌ نافع وسيرة خالدة “


أصحاب الأثر
” عبدالعزيز بن باز.. علمٌ نافع وسيرة خالدة “
ابتسام عبدالعزيز الجبرين
يُعدّ الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد بن باز – رحمه الله – أحد أبرز علماء الأمة الإسلامية في القرن الرابع عشر والخامس عشر الهجريين، وأحد الشخصيات العلمية والدعوية التي تركت أثرًا عميقًا في المملكة العربية السعودية والعالم الإسلامي. وقد عُرف بعلمه الغزير، وورعه، وتواضعه، وحرصه على نشر العلم الشرعي وخدمة المسلمين.
وُلد الشيخ ابن باز في مدينة الرياض عام 1330هـ الموافق 1912م، ونشأ في أسرة محافظة عُرفت بالاستقامة وحب العلم. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم تلقى علومه الشرعية على أيدي كبار علماء عصره، ومن أبرزهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله. وقد برز منذ شبابه بذكائه وقوة حفظه وشغفه بالعلم، حتى أصبح من أبرز طلاب العلم في زمانه.
وفي مقتبل عمره فقد بصره بشكل كامل، إلا أن ذلك لم يكن عائقًا أمام مسيرته العلمية، بل زاده إصرارًا وعزيمة على مواصلة طلب العلم وتعليمه. فكان مثالًا يُحتذى في الصبر والاجتهاد، واستطاع أن يحوّل هذا الابتلاء إلى دافع للتميز والإنجاز.
شغل الشيخ ابن باز عددًا من المناصب العلمية والقضائية المهمة، فعمل قاضيًا في منطقة الخرج سنوات عديدة، ثم انتقل إلى التدريس في المعاهد والكليات الشرعية، وأسهم في تأسيس الحركة العلمية الحديثة في المملكة. كما تولى رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وأسهم في تطويرها ونشر رسالتها العلمية إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وفي عام 1413هـ صدر الأمر الملكي بتعيينه مفتيًا عامًا للمملكة العربية السعودية ورئيسًا لهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، ليصبح المرجع الشرعي الأول في البلاد. وقد عُرف خلال فترة توليه منصب الإفتاء بسعة علمه وحكمته وحرصه على بيان الأحكام الشرعية بأسلوب واضح وميسر، مما أكسبه مكانة كبيرة بين العلماء وعموم المسلمين.
ولم تقتصر جهود الشيخ على الفتوى والتدريس، بل امتدت إلى الدعوة إلى الله والإصلاح بين الناس ورعاية الأعمال الخيرية والإنسانية. كما كان له حضور بارز في المؤتمرات والندوات الإسلامية، وأسهم في دعم قضايا المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
ترك الشيخ ابن باز تراثًا علميًا ثريًا يضم عشرات الكتب والرسائل والمحاضرات والفتاوى، ومن أشهر مؤلفاته: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ، والتحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة، وغيرها من المؤلفات التي ما زالت تُطبع وتُدرّس ويستفيد منها طلاب العلم إلى يومنا هذا.
وقد نال تقديرًا واسعًا من المؤسسات العلمية والهيئات الإسلامية، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام تقديرًا لجهوده الكبيرة في خدمة الدين والعلم والدعوة.
وفي السابع والعشرين من شهر محرم عام 1420هـ الموافق 13 مايو 1999م، انتقل الشيخ عبدالعزيز بن باز إلى رحمة الله بعد حياة حافلة بالعطاء والبذل والتعليم. وقد شيّعه جمع غفير من العلماء والمسؤولين وطلاب العلم ومحبيه، في مشهد جسّد المكانة الكبيرة التي حظي بها في قلوب المسلمين.
رحم الله سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، فما زالت آثاره العلمية والدعوية حاضرة، وما زال اسمه يُذكر مقرونًا بالعلم والفضل والإخلاص.
نائب رئيس التحرير


