(التركيز …فريضة إنسانية)

(التركيز …فريضة إنسانية)
طبيعة العقل البشري أنه مصدر الفهم والدراية والرواية ومنطقة إصدار القرارات المختلفة والمتباينة وهو الحاسة السادسة من الحواس الإنسانية والتي يتصدر ها السمع والبصر واللمس والشم والذوق ثم العقل بما لديه مواهب وقدرات وطاقات ومهارات عالية تجعله العظيم المدبّر لجميع شؤون الجسد والرئيس الأعلى في بسط سيطرته وتحكمه في أعضاء أجهزة الجسم .
ومن أبرز صفات ومميزات العقل البشري هو القدرة العالية على التركيز والتدقيق والمتابعة والمراجعة والتطوير وإصدار الحكم
فالتركيز صفة وميزة عزيزة يتفاوت فيها بنو آدم عليه السلام . وقد يعلو حظهم ونصيبهم فيها وقد ينخفض كما هو مشاهد ومعلوم بين الناس جميعاً..!
وقد تكون الأنماط الشخصية هي التي تحدد المواهب والقدرات والملكات العالية وقد يكون العكس صحيح فما يملك الشخص والفرد من قدرات ومهارات ومواهب وطاقات هي حقيقة التي تحدد نمط شخصيته بين أقرانه وبين الناس قاطبة .
أكثر الأشخاص الذين يتميزون بهذه الصفة الجميلة والمفيدة والتي تظهر عليهم ! ويُعرفون بها في مواقفهم المختلفة
والمتباينة لا يهتمون بهذه الميزة وهذه القوة الطبيعية ولا يشغلهم تطويرها ولا التركيز عليها كنقاط قوة لديهم .
مما يجعل وهجها مع الأيام والليالي تخفت وتتوارى خلف ضغوطات الحياة الصاخبة.
يحتاج المرء الذي يتمتع بهذه الصفة والميزة التذكير الدائم بأهمية ما يملك من كنز عظيم وكبير ومنحة ربانية لا مثيل لها بين المنح وهبة لا تقدر بثمن فعليه الإحسان في توظيفها فيما يعود عليه بالنفع والفائدة المشروعة والمباحة .
لكي يصل العقل البشري إلى الغاية في تمثيل هذه الصفة يحتاج إلى الإحسان في هذه المحطات : الإحسان في مرحلة البيت والأسرة والإحسان في مرحلة الدراسة والطلب والإحسان في التعامل مع المجتمع.
ومن المعاني التي تعنيها مهارة التركيز :
أولاً: الدّقة : القدرة على التمييز بين الأجزاء ووضع كل جزئية في مكانها المناسب وعدم القبول بالفوضى مهما كانت الأسباب والمبررات وأعتبار كل جزء في الأمر هو كلٌ لا يتجزأ .
ثانياً: إستحضار قيمة العمل : فالعمل مهما كان صغيراً أو كبيراً فإن له قيمة وأهمية كبيرة عند عامله وعند الناس المحبين له فكلما كان العامل مستحضرا لقيمة وأهمية عمله وجد نفسه مقبلة عليه ومحبه له متفانية في إتقانه وإحسانه . ومما يعين على إعلاء قيمة العمل ربطه بقبول الله تعالى ومحبته للعامل ومنحه الأجر والثواب العظيم على عمله الخالص الصالح .
ثالثاً: المتابعة والاستمرار للعمل: وهذا يعني وصول العامل إلى محبة العمل أو محبة ما يعمل ولذا إستمر وتابع رغم التحديات والصعوبات والعقبات ورغم كل ما رأي وسمع فهو حريص على إصلاح العمل وإصلاح بداياته وعملياته وخواتمه.
فمهما كانت الأعمال وطبّق عليها أصحابها الدّقة والإستحضار والمتابعة غلب عليهم ما يُسمّى بالإتقان وهو الإحسان ، ظهرت النتائج والمخرجات والمحصلة مميزة ورائعة ومذهلة في الخير .
ويمكن تصنيف مهارة التركيز التي يحملها العقل البشري إلى: أولاً: مهارة التركيز السلبي : وتعني زيادة الإهتمام بالنواحي السلبية والتركيز عليها وعدم رفع النظر عنها وتكون في النفس في الأسرة في الزوجة في الزوج في المنزل في العمل
في الشارع في الناس والمجتمع ، وهذا النوع من التركيزالمدمر والمحطم والذي يهوي بالطاقات والقدرات ويذهب جميعها أدراج الرياح .
وللأسف يوجد فئام من البشر يعملون ويبذلون على تحطيم أنفسهم وإحراق طاقات غيرهم بالتركيز على السلبيات والأخطاء والهنات .وهؤلاء لا يقدمون شيئاً لأنفسهم ولا للناس ولا حتى للحياة العملية التي تقبل الأخطاء وتعمل على إصلاحها.
ثانياً: مهارة التركيز الإيجابي: وتعني زيادة الإهتمام بالجوانب الإيجابية والمشرقة ونقاط القوة في النفس والأسرة والمجتمع وهذا النوع الذي يبني ويبني وينشر الخير ويوسع من دوائر التأثير والتي تحول الناس إلى مصادر طاقات إيجابية.
نحن على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع في أشد الحاجة وأمسّها إلى تطبيق التركيز في جميع شؤون الحياة الدنيا.
يقول شاعر العربية الكبير. أبو الطيب المتنبي رحمه الله تعالى :
الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ
هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني
فَإِذا هُما اِجتَمَعا لِنَفسٍ حُرّةٍ
بَلَغَت مِنَ العَلياءِ كُلَّ مَكانِ

