طريق السعادة من هنا …!

طريق السعادة من هنا …!
المصلح والمستشار الأسري د. سالم بن رزيق بن عوض.
يشقى الإنسان في سحابة نهاره وظلال ليله باحثاً عن حقيقة عن ذاته وعن سر سعادتها ، وهو كلما رأى سراباً ظاهراً بارزاً ظنه ماء فراتاً ! فلما جاء تلك الروابي الغنيّة والمروج تبدو خضراء في عينيه لم يجد فيها شيئاً سوى حقيقة سراب السعادة الغائب وأطياف الخيال السادر .
الملايين من البشرية تلهث في مشارق الأرض ومغاربها وربما أنفقت ما لديها وأقترضت عنوة ورهنت المضمون في سبيل خيال جامح ليس له وجود إلا في الأذهان السادرة والنفوس المضطربة ، وقد تناشد الأوهام والخرافات حتى تعينها للوصول إلى مدراج ما يدور بخلدها وما تستحضر أنه موجود هناك وهناك وربما وراء الغيب أو راء الكون أو وراء المادة .
إننا في واقع الحياة أمام مشاهد تشبه إلى حد كبير الذين يبحثون عن نظّارتهم وهي على وجوههم وتزين أعينهم أو كالذين يبحثون عن بعض ملابسهم وهي عليهم سابغة أو كالجميلات اللواتي لا يرين جمالهم وقد خدعن وشغلن عن ذلك بالبحث في أماكن أخرى .
هؤلاء الفلاحون والمزارعون وما يبذلون في الأرض وما تعطيهم من خيراتها وهم لا يشعرون بها ويملأ الضجر والقنوط جوانبهم ! هؤلاء الأطباء والمهندسون والمعلمون وما هم فيه من العمل والعطاء والبذل والتضحية ومع ذلك لا يشعرون بحلاوة ما يعملون ويبذلون ! هؤلاء الفضليات من الممرضات والمعلمات والعاملات في أعمال شتى وما يقدمون من خدمات جليلة ومع ذلك لا يشعرون بما يقدمون ! وغيرهم من أصحاب المهن والحرف والتجار والعمار وما يذلون ويقدمون من أعمال عظيمة وجليلة ولها أثرها على الناس جميعاً ومع كل ذلك لا يشعرون بها ولا بلذتها !
إن حقيقة الإنسان إن لم يصنع سعادته بنفسه وذاته فإنه لم ولن يصنعها له أحد في هذه الأرض على طولها وعرضها !
الأصل في صناعة السعادة يعود إلى الإنسان نفسه وقدراته واحترامه لها وتعظيمه للواهب الذي وهبه ما وهبه من نعمة الإيجاد والإمداد والإرشاد والإسعاد ، فإذا تبصر الإنسان الحقيقي بذلك وضع يده ورجله وعقله وقلبه وبدنه ووقته على الطريق الصحيح الصائب .
والمتأمل في أحوال الناس يرى ويشاهد ويسمع أهازيج الاحتفاء بالسرور والحبور والسعادة والأمل بين وجوههم وفي مشاعرهم وأحاسيسهم في الظروف والأحوال المختلفة فهؤلاء يفرحون ويظهرون سعادتهم وحبورهم في حصولهم على المال وأؤلئك يظهرون الفرح والسرور عند حصولهم على المكانة الرفيعة وهناك فئام يظهرون ذلك عند النجاح والتفوق والفوز ومنهم من يبتهج عند حصولهم على الأرباح ومنهم في زواجهم وآخرون في طلاقهم وبعضهم يفرح ويسعد عند حصول المصائب على الآخرين !!
قد يترادف النجاح مع السعادة والسرور ولكن في الحقيقة بينهما تقارب وتباعد وتكامل وتناغم وتداخل وتنافر فالأصل في مفهوم النجاح والفوز هو تحقيق الأهداف التي خطط لها والحصول على الإنجاز فيها جميعا أو في بعضها ، فمن حدد لنفسه أهدافاً واضحة ومزمنة وكانت طموحة أو غير طموحه إيجابية أو سلبية وسعى في تحقيقها ووصل إلى أن حققها على أرض الواقع كان هذا هو النجاح سلباً أو إيجاباً .
أما السعادة فهي قبل البدء في طريق النجاح وأثناء العمل في طريق النجاح وبعد تحقيق النجاح والفوز ومستمرة بعد ذلك فهي الشعور بالمتعة والفرح والسرور بما وهبك الله تعالى من نعمة الوجود نعمة العافية والصحة ونعمة التوفيق ونعمة العمل والبذل والتضحية ونعمة الشكر والحمد لله تعالى .
وهذه الهدية من الله تعالى لها أسرار ، وعلى الكيس الفطن أن يتحسس مظانها رغبة وطمعاً أن تصبغ حياته كلها وهي :
أولاً: أن يعلم المرء أن الله تعالى هو الله تعالى الأول الآخر الظاهر الباطن العلي العظيم .فشأن الله تعالى وأمره في شؤونه كلها ، في قيامه وقعوده ، في ذهابه وإيابه ، في يقظته ونومه في سفره وحضره في صحته ومرضه وفي غناه وفقره وفي قواه وضعفه وفي كل حياته .
ثانياً: أن يعلم المرء أنه مخلوق مكرّم ؛ مخلوق عظيم الخلق والخلق ، خلقه الخالق للعبادة وإعمار الأرض فهو مخلوق مستخلف كريم حليم ..
ثالثاً: الإلتزام بهدايات السماء وفهم السماء وأمر السماء وأخبار السماء والوقوف عند نواهي السماء هو من السعادة الحقيقية.
رابعاً: العمل الحقيقي: وهو العمل اليومي والبذل والتضحية والتفاؤل والعطاء وترك أثر في الأرض من بر أو بحر أو جو والمحافظة على العمل والتطور فيها وإتقان جوانبه ومجالاته وأسراره .
خامساً: المساعدة والتعاون مع الآخرين والوقوف معهم في أتراحهم وأفراحهم وزيارتهم ودعمهم وتشجيعهم وتحفيزهم.
سادساً: إظهار السعادة والفرح في أمورنا كلها وخصوصاً عند النجاح وتحقيق الأهداف والمقاصد والفوز والحصول على الإنجاز .
سابعاً: كما أن هناك صوراً متنوعة للنجاح والتفوق والتميز كذلك للسعادة مراتب ودرجات ومراحل مختلفة فمن أعلاها السعادة مع الله تعالى ولأجل الله تعالى والتزام شرعه من أمر ونهي وخبر . ثم السعادة بالعمل والزوجة والأهل والأولاد والمال والأقارب والصحة والعافية.
ثامناً: الحالة النفسية والمزاجية والعقلية السعيدة والمستقرة في كل شؤونها وأحوالها مطلب ديني وفطري إنساني وهو ما تسعى إليه الأنظمة السماوية والإرضية على حد سواء ، ومتى توفرت تلك الحالات ظهر بين الناس مجتمع المدينة الفاضلة.
تاسعاً: قبول التغيير : في البيت في العمل في الشارع في المسجد في اللقاءات والمقابلات الأسرية وكلما رزق المرء القبول والتقبل وأنشرح صدره كلما نال حظوظاً من السعادة والتفاؤل في حياته ..
عاشراً: التفاؤل والأمل والإيجابية في كل صفحة من صفحات الحياة اليومية ، والإكثار من التضرع والدعاء ! فعلى العاقل الفطن اللبيب أن يعيش اللحظة بمتعة وفرح وسروره ، وما حياة الإنسان إلا لحظات عابرة وعارية مسترجعة وظل زال وهدوء يسبق عواصف الآخرة .
يقول شاعر المهجر الأكبر إيّليّا أبو ماضي :
قالَ قَومٌ إِنَّ المَحَبَّةَ إِثمٌ
وَيحَ بَعضِ النُفوسِ ما أَغباها
إِنَّ نَفساً لَم يُشرِقِ الحُبُّ فيها
هِيَ نَفسٌ لَم تَدرِ ما معناها
أَنا بِالحُبِّ قَد وَصَلتُ إِلى
نَفسي وَبِالحُبِّ قَد عَرَفتُ اللَهَ !
كاتب رأي
