كُتاب الرأي

أقنعة في مرايا الواقع

أقنعة في مرايا الواقع

​واقعك واقعٌ أنت فيه لا محالة ، ولا بد أن تحتمله بكافة السبل، متجاوزًا العقبات، لتكون نسختك المختلفة من نفسك، والموجِّه الأول، والأمثل لذاتك، والمعلِّم لنفسك بين جملةٍ من دروس الحياة، في محيطٍ مكتظٍّ بالغرابة والعجب، وفيه من التناقض ما يُثير ضجيج الأسئلة في داخلك.
​أُحدِّثك عن صنوف الأقنعة، ولباس التذلل الذي يصغر أمامك ضعيفًا، حتى يُحرِّك خصال الطيب فيك، فتظن، بفعلك العادل والراشد، أنك له من الظالمين، وما أنت بظالم، ولكن المشهد انعكس تمامًا؛ فلباس الضعف والخوف كان الغالب عليه، وهي من حِيَله، ورداء الثبات والرسوخ كان الظاهر عليك في هيئة الواثق الأمين، بينما الباطن يتألم.
​وما عليك حينها إلا أن تُصدِّق ظاهر المتقنِّع؛ حبًّا لله، لا ضعفًا، وخلاصًا من شر، ونبذًا للأذى. فيظن صاحب الحيلة أنه قد فاز بفعلته، وملك زمام الأمر، وحقق النجاة، وينسى علَّام الغيوب، سبحانه، المطلع على السرائر وما تخفي الصدور. تلك حقيقةٌ مغيبة عن أصحاب الأقنعة، وأهل التزلف والكذب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
​لا أعرف كيف أصف هذا العالم المتلون، وتلك الغوغاء النهمة، وذاك التسلط المتعجرف، الذي في لحظة خوفٍ يتحول إلى تذلل؛ حتى يخرج من مأزق الاعتراف بخسارته، وأنه لا شيء أمام صوت الحقيقة المفعمة بالحياة والوضوح، وفي لُبِّها نورٌ يهدي سامعها إلى القول الصائب.
​إنه الواقع، يا سادة… قد بدأ بكامل هندامه يتأنق ويزدهي، يُخبرك عن معادن البشر، وطباعهم ذات التلون المبهر عند بعضهم. ولعل ذلك لأننا أصبحنا في تسارعٍ مع الحياة؛ فأصبح لبعض الناس قدرةٌ عجيبة على التلون في غضون ثوانٍ. تتغير الفكرة، ويتبدل المبدأ، بل تتحول الشخصية بأكملها من شخصٍ أليفٍ، هينٍ، لينٍ، إلى الضد منه تمامًا.
​إن الذين يملكون هذا التحول العجيب، معناه أنه لا قيمة لديهم ولا مبدأ يستند إليه القلب ويهتدي به العقل؛ فالهدف إرضاء ذاتٍ لغرورٍ مستبد، في نفسٍ إنسانية تغذت على حب السلطة، وقيادة الآخرين وفق هوسٍ عقلي نشأ عبر السنين، ومكَّنه من ذلك المحيطون به؛ إما رهبةً منه، فينكسرون أمامه، أو لأنه لا بديل له في الميدان، فيُطاع ويُسمع رغمًا عنهم.
​للأسف… البيئة لا تُشكِّل الأطفال فحسب، بل قد تُشكِّل حتى الناضجين عمرًا؛ إذ إن بعضهم لا يملك إطارًا ناضجًا لذاته، ولا كيانًا راسخًا، فيتشكَّل وفق هوى النفس ومحركات المجتمع من حوله.
​فإن كان هوى النفس أقوى، كان الاستبداد والتسلط والتمرد أكثر تمددًا. وإن غلبته محركات المجتمع، بفكرٍ نيِّر وشخصياتٍ ذات همةٍ ومسؤولية، قادرةٍ على تغيير تلك النمطية المستبدة، وإنقاذ المجتمعات الوظيفية من تلك الآفة، سلمنا وأمِنَّا. أما إذا حركه الضد تمامًا، بعقليةٍ منغلقة تنفر من التجديد والتطوير والتحسين، وترضخ داخل دوامة الراحة، مكتفيةً بالأمر والنهي دون إصلاحٍ حقيقي أو خدمةٍ للمجتمع بالطريقة المُثلى، فإن الأمر يستشري، وتتسع الدائرة المحترقة نارًا، فلا يكاد يبقى مجالٌ للإطفاء.
​لا مزيد من الحرائق… نعم، لا مزيد من الحرائق.
​في دائرة العمل، حساباتٌ تُبنى على حساب آخرين، وأكتافٌ تصعد على أكتاف، وأخرى تُصفق على حساب غيرها، بينما تتوسد فئةٌ الارتياح، وتأبى أن تخرج من دائرة الراحة، بل ترغب في أن يسري سُمُّها في أوردة الجميع، ويبقى المكان يصفق للهواء العابث فيه.
​كل إنجازٍ يُسطَّر على جدران ميدان العمل، يمثل ـ في ظن الواهم العاجز ـ سهمًا قاتلًا صُوِّب إلى أفئدةٍ بليدة. وليته يدرك أن المعنى الحقيقي للإنجاز ما هو إلا عطاءٌ إنساني يُبذل، وجهدٌ يُهدى، وهممٌ تُعلى، همها الأول والأسمى مرتبطٌ بغايةٍ عظيمة، لا يطولها مبتغًى دنيوي، وإن نال صاحبها شرف التكريم، فهو الجزاء اللاحق لجهدٍ سبقه البذل الأصدق.
​المحيط جليد، ويخشى ركلةً ساخنةً من قلبٍ طامح. تلك عبارةٌ دوَّنتها في كتابي الأول «ضفاف قلم»، ودومًا ما أرددها؛ لشغف الوصول، لأن أصحاب الهمم حينما يلتقون يصفقون بحماسٍ لأشباههم، والضد منهم يحني الرأس يأسًا، ويُبدي لك أن فكرة الهمة وحدها تبدو مهزلةً وفوضى، وأن الوقت لا يتسع لتحقيق طموحاتك.
​أنت سيد أحلامك، فلا تسمح لشتات العابرين أن يضيّعوا معالم الطريق في روحك…
​امضِ وحسب، وبالله اكتفِ.

سميرة مثمي الشريف

 

 

سميرة مثمي الشريف

أديبة سعودية وكاتبة رأي وفنانة تشكيلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.