كُتاب الرأي

وطني وطن لا يُختزل

وطني وطن لا يُختزل

محمد الفريدي

اليوم الوطني ليس مناسبة نرفع فيها أعلامنا، ونغيّر صور حساباتنا، ونردد العبارات والأغاني فقط، ثم نعود في اليوم التالي إلى أخطائنا وكأن وطننا لا يستحق منا أكثر من احتفال مؤقت.

اليوم الوطني وقفة صادقة مع قصة وطن لم يصل إلى مكانته بالمصادفة، ولم تُبنَ وحدته بالشعارات، وإنما قامت على رؤية قيادة آمنت بأن هذا الوطن أكبر من ان يختصر واكبر من خلافاتنا المناطقية والقبلية، وأقوى من كل المحاولات التي أرادت له التفرق والضعف.

الوطن ليس حفلة تنتهي عند منتصف الليل، ولا صورة ننشرها بحثًا عن الإعجاب، ولا كلمات منمقة نكتبها مرة واحدة في العام. الوطن مسؤولية يومية تبدأ من احترامنا للنظام، والمحافظة على ممتلكاته العامة، وإتقان العمل، وحماية أمنه، وتنتهي عند الوقوف في وجه كل من يحاول العبث بوحدتنا أو التقليل من منجزاتنا أو نشر الفوضى بين أبنائنا.

من السهل أن نقول إننا نحب الوطن، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتعارض مصلحة الوطن مع مصلحتنا الشخصية. هنا تظهر حقيقة الانتماء، ويسقط كثير من الكلام. من يسرق المال العام لا يحب وطننا، حتى لو ملأ شوارعنا بالأعلام. ومن يستغل منصبه لا يخدم وطننا، حتى لو تصدر مجالسنا بالحديث عن الولاء. ومن يعطل مصالح الناس، أو يتهاون في أداء عمله، أو يبرر الفساد، أو يتستر على المقصرين، لا يملك حق المزايدة على وطنية الآخرين.

حب الوطن لا يحتاج إلى صوت مرتفع بقدر حاجته إلى ضمير حي. الموظف الذي يحترم وقت المراجعين أكثر وطنية من صاحب الخطاب الطويل الذي لا يقدم شيئًا. والمعلم الذي يؤدي رسالته بإخلاص يخدم وطننا أكثر من شخص يكتفي بترديد الشعارات والعبارات والأغاني. والطبيب الذي يرى المريض إنسانًا قبل أن يراه رقمًا يؤدي واجبًا وطنيًا عظيمًا. والعسكري الذي يسهر على أمننا يقدم المعنى الحقيقي للانتماء دون أن ينتظر تصفيقًا أو شهرة.

نحن أمام وطن صنع من صحرائه دولة حاضرة في القرار العالمي، وحوّل التحديات إلى فرص عظيمة، ولم يسمح لصعوبة البدايات أن تصبح عذرًا للتراجع. وطن توحد بعد فرقة، واستقر بعد خوف، وبنى مؤسساته خطوة بعد خطوة حتى أصبح قوة سياسية واقتصادية وحضارية لا يمكن تجاوزها. وهذه المكانة لم تأتِ من أغانينا وخطبنا في مناسباته، وإنما من قيادة حملت مسؤولية الوطن، وحافظت على وحدته، ووضعت أمننا واستقرارنا في مقدمة أولوياتها.

وقادة لا يقودون مرحلة موقتة تنتهي الي الدمار، وإنما يقودون تحولًا كبيرًا يواجه مقاومة العقليات القديمة، وأصحاب العقول التي تخاف من كل جديد، ومن اعتادوا الوقوف في منتصف الطريق حتى لا يخسروا امتيازاتهم. ومع ذلك يمضي الوطن بثقة، لأن الدول التي تخشى التغيير تتأخر، والدول التي تنتظر رضا الجميع لا تتقدم. القرار القوي لا يبحث عن التصفيق، وإنما ينظر إلى المستقبل ويحمي حق الأجيال القادمة في وطن أكثر قوة وكفاءة وقدرة على المنافسة.

في اليوم الوطني يجب أن نقول الحقيقة دون مجاملة: أخطر ما يهدد الوطن ليس العدو الموجود خارج حدوده فقط، وإنما المواطن الذي يأخذ منه كل شيء ولا يعطيه شيئًا. ذلك الذي يطالب بحقوقه كاملة، ثم يتهرب من واجباته. ينتقد الفساد، لكنه يمارسه متى سنحت له الفرصة. يرفض الواسطة عندما تضره، ويبحث عنها عندما تخدمه. يشتكي من ضعف الإنتاج، ثم يتأخر عن عمله. يطالب بالنظام، ثم يغضب عندما يطبق عليه.

هذه الازدواجية لا تصنع وطنًا قويًا، والأوطان لا تتقدم بالنوايا الحسنة، وإنما بالعمل والانضباط وتحمل المسؤولية. والمواطن الحقيقي لا ينتظر من يراقبه حتى يلتزم، لأن رقابته تبدأ من داخله. يعرف أن الشارع ملك للجميع، وأن المال العام حق لكل مواطن، وأن الوظيفة أمانة، وأن النظام لا يفقد قيمته عندما يعطل مصلحة شخصية.

والوطنية لا تعني الصمت عن الأخطاء، ولا تحويل كل نقد إلى خيانة. النقد الصادق يحمي الوطن، بشرط أن يكون هدفه التصحيح لا التشهير، وأن يعتمد على الحقيقة لا الإشاعة، وأن يقدم الحل بدل إشعال الشارع بالغضب. هناك فرق كبير بين من ينتقد لأنه يريد لوطنه الأفضل، ومن يهاجم لأنه يعجز عن رؤية أي منجز، أو يبحث عن حضور رخيص على حساب أمن المجتمع.

الوطن القوي لا يخشى الكلمة المسؤولة، لكنه لا يسمح للكذب أن يرتدي ثوب الرأي، وحرية الرأي ليست تصريحًا لنشر الشائعات، ولا مبررًا لتشويه المؤسسات، ولا حقًا في إثارة الكراهية بين أبناء المجتمع. الكلمة قد تبني وعيًا، وقد تهدم ثقة، وقد تحمي وطنًا، وقد تخدم أعداء. لهذا لا بد أن يعرف كل كاتب وإعلامي ومؤثر أن ما يقوله ليس لعبة، وأن الوصول إلى الناس مسؤولية لا مساحة للعبث.

ومن المؤلم أن يتحول اليوم الوطني عند بعضنا إلى فرصة للتجارة، وكأن الوطن سلعة موسمية. نرى من يرفع الأسعار تحت غطاء الاحتفال، ومن يستخدم أعلامنا لتسويق بضاعته، ومن يتحدث عن الانتماء فقط عندما يكون أمام الكاميرات. هذه الصور الموذية تفرغ المناسبة من معناها. الوطن لا يحتاج إلى من يستثمر في مشاعر أبنائه، وإنما إلى من يستثمر في مستقبلهم، ويفتح أمامهم أبواب العمل والمعرفة والابتكار.

الشباب هم قوة وطننا الحقيقية، ولا يكفي أن نطالبهم بالانتماء دون أن نمنحهم الثقة والمسؤولية. علينا أن نعلمهم أن المستقبل لا ينتظر المترددين، وأن الفرص لا تذهب دائمًا إلى الأكثر كلامًا، وإنما إلى الأكثر استعدادًا وعملًا. نريد جيلًا يعرف تاريخ وطننا دون أن يعيش أسيرًا لماضيه، ويحترم إنجازاتنا دون أن يظن أن طريقه اكتمل، ويفتخر بقيادتنا دون أن يحول فخره إلى كلمات لا تتجاوز الكلام.

نريد تعليمًا يصنع مواطن قادر على التفكير والعمل، وإعلامًا يحترم عقولنا، ومؤسسات تقيس نجاحها بما تقدمه لنا، لا بعدد التقارير التي تكتبها عن نفسها. الوطن لا يحتاج إلى تجميل تقصيره، لأن التقصير لا يصبح إنجازًا بمجرد تغيير اسمه. ولا يحتاج إلى مسؤول يخشى الاعتراف بالمشكلة، فالمشكلة التي نعترف بها يمكن علاجها، أما المشكلة التي نخفيها فتزداد حتى تصبح عبئًا على الجميع.

في هذا اليوم، لا نحتفل بذكرى على ورق، وإنما بوطن حي يتقدم كل يوم، وبقيادة اختارت أن تنقله إلى مرحلة جديدة، وأن تجعل من طموحنا عملًا، ومن مستقبلنا مشروعًا، ومن إنجازنا معيارًا. نحتفل بوطن يفتح أبوابه للعلم، ويحمي هويته، ويتمسك بقيمه، ويثبت أن أصالته وتطوره لا يتعارضان عندما تكون الرؤية واضحة والثقة راسخة.

اليوم الوطني موعد لتجديد العهد، لا لتكرار العبارات المكررة . عهد بأن نحمي وحدتنا من التعصب، وأمننا من الشائعات، ومقدراتنا من الفساد، ومستقبلنا من الإهمال. عهد بأن يكون كل واحد منا جزءًا من الحل والاستقرار، وأن نتوقف عن تحميل الآخرين مسؤولية كل خطأ ونحن لا نراجع أنفسنا كأننا معصمين.

الوطن لا يطلب منا المستحيل. يطلب أن نكون صادقين في أعمالنا، أوفياء لمسؤولياتنا، حريصين على وحدتنا، واعين لما يدور حولنا. يطلب أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن ننجح دون أن ننسى من منحنا الأمن والفرصة والانتماء.

سيبقى هذا الوطن أكبر من الأشخاص والمصالح والشعارات والعبارات والأغاني، وستبقى قيادته مصدر قوته وثباته وطموحه. أما نحن، فأمامنا خيار واضح: إما أن نكون مواطنين يضيفون إلى وطنهم، أو مجرد أصوات ترتفع في المناسبات ثم تختفي عند أول اختبار. فالوطن لا يقاس بما نقوله عنه في يومه الوطني، وإنما بما نقدمه له في كل يوم.

كاتب رأي

 

 

محمد الفريدي

رئيس التحرير

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.