الثقافية

حين يرسم اللون ذاكرة المكان

 حين يرسم اللون ذاكرة المكان

 قراءة نقدية في لوحة الفنانة التشكيلية زهرة خلف

 في تلك اللوحة الفنية لا تتجسد ذاكرة المكان فحسب، بل الروح كذلك؛ فالقلب هنا يصغي – لا السمع وحده – إلى صوت تلك المآذن، ليتبين تفاصيل الحياة من حوله، فتكون لوناً أبجدياً روحانياً مثقلاً بالتأملات. ومن هذا النوع تأتي لوحة الفنانة التشكيلية زهرة خلف، التي تستحضر المسجد النبوي والقبة الخضراء في معالجة تشكيلية لا تبحث عن النقل الحرفي للمكان، بقدر ما تبحث عن أثره في الوجدان الإنساني؛ فليس كل الفن يُرى بالعين وحدها، بل يحتاج إلى قلب يُبصر تلك الجماليات، وسمع يُصغي لتلك الهمسات الملونة، وفكر يتأمل أبعاد ما وراء اللون والشكل.

فمنذ التأمل الأول، يأخذك العمل الفني إلى سماوات بصرية متحركة، تتماوج فيها الألوان والخطوط وتنسجم مع الظلال في تكوين عالم فريد من الفن، يبدو وكأنه يتشكل أمام المتلقي، فلا انتهاء لحدوده، ولا فصل بين عناصره، ولا تفاصيل واقعية ترغم نفسها على الناظر إليها؛ وإنما حركة لونية واسعة وكأنها انسجمت ذاتياً مع مشاعر الفنانة، لتجعل المشهد الشعوري أقرب ما يكون إلى صورة مكانية معتادة.

وفي قلب هذا التكوين السماوي الخلاب، تظهر القبة الخضراء في هدوء وضاء ذي عمق لوني منسجم، لتتجلى للناظر بحركة لونية أخاذة؛ حيث يظهر اللون الأخضر هنا أكثر من مجرد قيمة لونية، فهو يحدثنا عن معنى السكينة والطمأنينة والروحانية. ورغم أن القبة ليست أكبر عناصر اللوحة مساحة، إلا أنها الأكثر حضوراً، وكأن الفنانة أرادت أن تؤكد أن القيمة لا تقاس بالحجم، وإنما بما تحمل من معانٍ خالدة.

ويأتيك الضوء الذهبي المنبثق بكل تأنٍ في الجزء العلوي من اللوحة، مانحاً العمل بعداً روحياً وكأنه فيض من النور يتخلل الأجواء اللونية ويغمرها. وبين ذلك الضوء والمساحات الداكنة، تنشأ لنا علاقة بصرية واضحة التعبير؛ فالظلال لا تطفئ النور، بل تمنحه مزيداً من التوهج.

وما زلتُ في قراءة هذا التكوين اللوني للوحة الفنانة زهرة خلف واستخدامها لدرجات لونية متقاربة تمنح النظر إليها دفئاً؛ حيث تأتي درجات البني والأحمر والبرتقالي لتضفي على اللوحة دفئاً وثراءً، بينما تكشف ضربات الفرشاة عن حضور الفنانة وهي تترك أثر يدها واضحاً على سطح العمل. فالفرشاة هنا لا تؤدي وظيفة تقنية فقط، وإنما تتحول إلى لغة قائمة بذاتها؛ حركةٌ وانفعالٌ وإيقاع، وكأن اللون نفسه يتحرك داخل اللوحة، إنها مشاعر فنان ولغة بليغة بريشة ولون وحوار عميق بينهما يظهر جلياً أمامنا.

أما توظيف الخط العربي وجمالياته فله حضور خاص في العمل؛ فهو لا يظهر باعتباره نصاً مكتوباً فحسب، بل يتحول بكل مهارة إلى عنصر تشكيلي يشارك في اندماج اللون وضربات الفرشاة، وأحياناً أخرى يتشكل كزخرفة بديعة، لتتجسد تلك الهوية البصرية المرتبطة بالروح الإسلامية والعربية. وتزداد قيمة هذا التوظيف حين نلاحظ أن الفنانة لم تجعل الخط العربي منفصلاً عن بقية العناصر، بل تم دمجه في النسيج العام للعمل الفني ليصبح جزءاً من إيقاع اللوحة. ثم نأتي لتلك المساحات الداكنة ذات التدرج اللوني المتباين، الذي يُمكّن من تحقيق التوازن البصري؛ فقد تبدو للوهلة الأولى ثقيلة، لكنها في الحقيقة تمنح القبة والضوء قدرتهما على الظهور. وهنا تكمن إحدى جماليات العمل: فالنور في اللوحة لا يعيش بعيداً عن الظل، وإنما ينبع من خلاله.

ومن الجميل قراءة جزء آخر في العمل، وهو إضافة الفنانة طبقة أخرى من الذاكرة البصرية لتربط العمل بجذوره التراثية، وهو ما نراه في الجزء السفلي بوجود تكوين هندسي تخرج من خلاله الفنانة من المحاكاة التقليدية للتعبير عن المكان بلغة تشكيلية معاصرة.

وهنا، وبشكل عام، بعد قراءة العمق الفني، يمكن قراءة العمل ضمن مساحة تجمع بين التجريد والتعبيرية والتوظيف المعاصر للخط العربي والتكوين الهندسي. فالفنانة لا تقدم المشهد كما تراه العين بكامل تفاصيله، بل كما تشعر به الروح؛ فاللون يؤدي وظيفة الشكل، والخط والتكوين الهندسي يتحولان إلى مساحة، والضوء يصبح إحساساً، بينما تظل القبة الخضراء مع تلك المآذن التي تعانق التكوين اللوني هي نقطة الارتكاز التي تعيد للمتلقي إحساسه بالمكان.

ولعل أجمل ما في اللوحة أن ثمة رسالة بليغة ذات بيان لوني قدمتها الفنانة، إذ لم تجعل المسجد النبوي مجرد موضوع للرسم، بل جعلته ذاكرة شعورية ذات حس إنساني يتجلى في علاقة الإنسان بخالقه. لم تقل لنا: “هذا المسجد النبوي أو القبة الخضراء”، وإنما تركت للمتلقي أن يتلمس ذلك بشعوره وخلال تأمله: هكذا يمكن أن يسكن المكان في الذاكرة.

فاللوحة في جوهرها لا تحاول أن توثق مكاناً بقدر ما تحاول أن تستحضر أثره؛ ولذلك تتدفق الألوان كما تتدفق الذكريات، وتتجاور العتمة والنور كما تجتمع في التجربة الإنسانية مشاعر الشوق والسكينة، بينما تبقى القبة الخضراء في قلب المشهد أشبه بنبض ثابت وسط عالم متحرك. إن تجربة زهرة خلف في هذا العمل تؤكد أن الفن التشكيلي لا يحتاج دائماً إلى أن يقول الأشياء بصورة مباشرة؛ فقد يكون الإيحاء أبلغ من الوصف، وقد يكون اللون قادراً على قول ما تعجز الكلمات عن وعيه.

وبذلكَ يبقَى الفنُّ تلكَ اللّغةَ البليغةَ، ولكنْ بلونٍ وروحٍ إنسانيةٍ ذات معانٍ وقيمٍ عظيمة.

                                                                             سميرة  علي الشريف

أديبة وفنانة تشكيلية

سميرة مثمي الشريف

أديبة سعودية وكاتبة رأي وفنانة تشكيلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.