حين تصمت المدافع… تبدأ العاصفة

حين تصمت المدافع… تبدأ العاصفة
الهدوء الذي يسبق إعادة رسم المنطقة
منذ أشهر وأنا أكتب عن تحولات المنطقة، ولم أتعامل يومًا مع ما يجري باعتباره مجموعة حوادث متفرقة؛ حرب هنا، ومفاوضات هناك، ومضيق يُغلق وآخر يُهدد، وصاروخ ينطلق ثم تعود لغة الدبلوماسية إلى الواجهة.
كنت أرى خيطًا واحدًا يربط بينها جميعًا.
في «حوار الطرشان» بتاريخ 27 أبريل 2026، كتبت عن منطقة انتقلت من محاولة حل الصراع إلى إدارته.
ثم جاء «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» في 25 مايو، وكانت الفكرة أن ما سيحدد مستقبل المنطقة ليس التصريحات الكبيرة التي تملأ الشاشات، وإنما التفاصيل الصغيرة التي تجري خلف الأبواب المغلقة.
ثم جاءت الحرب.
وفي «إيران بعد الحرب» في 30 يونيو، كان السؤال الحقيقي بالنسبة لي ليس: من انتصر؟
بل: ماذا تغير؟
ثم كتبت في 5 يوليو «السعودية… وصناعة المستقبل»، لأنني كنت وما زلت أعتقد أن المملكة لا تقرأ المنطقة بمنطق الحدث اليومي ورد الفعل، وإنما بمنطق الدولة التي تعرف أن ما يجري حولها ليس أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل واسعة للشرق الأوسط.
ثم تحرك المشهد من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى البحر.
كتبت عن هرمز.
وعن باب المندب.
وعن الموانئ.
وعن طرق الطاقة.
وعن سلاسل الإمداد.
وعن البحر الأحمر وبحر العرب.
وكان السؤال الذي يلاحقني في كل مرة:
إلى أين يقود كل هذا؟
اليوم أعتقد أن الصورة أصبحت أكثر وضوحًا.
ما نراه ليس نهاية التصعيد
هناك خطأ يقع فيه كثيرون عندما تهدأ أصوات الصواريخ أو تبدأ الاتصالات السياسية أو تتراجع حدة التصريحات لبضعة أيام.
يظنون أن الأزمة تتجه نحو النهاية.
وأنا أرى العكس.
أرى أن المنطقة تمر بمرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة إعادة التموضع.
الجميع يعيد الحسابات.
إيران تعيد حساب أوراق القوة التي بقيت لديها.
الولايات المتحدة تعيد حساب تكلفة الحرب وحدود القوة.
إسرائيل تعيد تقييم نتائج الضربات وحدود ما يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية.
القوى الدولية تراقب الطاقة والممرات البحرية.
والدول الخليجية تقرأ المشهد من زاوية أكثر خطورة:
كيف نحمي دولنا واقتصاداتنا وممراتنا الحيوية إذا أصبح عدم الاستقرار هو القاعدة وليس الاستثناء؟
ولهذا فإن الهدوء الذي نراه لا يطمئنني.
بل يجعلني أكثر ترقبًا.
لأن الحرب تغيّرت
الحرب القادمة – إن وقع التصعيد الذي أتوقعه – لن تكون بالضرورة حربًا تقليدية تبدأ بإعلان وتنتهي باتفاق.
الحرب الجديدة بدأت أصلًا.
إنها حرب الممرات.
وحرب الطاقة.
وحرب الاقتصاد.
وحرب المسيّرات.
وحرب الصواريخ الدقيقة.
وحرب الموانئ.
وحرب التأمين البحري.
وحرب سلاسل الإمداد.
وحرب المعلومات.
وحرب النفوذ.
ومن يقرأ خريطة المنطقة بهذه الطريقة سيكتشف شيئًا بالغ الأهمية:
الجغرافيا عادت لتصبح السلاح الأكبر.
هرمز ليس مجرد مضيق.
باب المندب ليس مجرد ممر.
البحر الأحمر ليس مجرد بحر.
بحر العرب ليس مجرد مساحة مائية.
وسقطرى وحضرموت والسواحل الممتدة على بحر العرب ليست أطرافًا بعيدة عن الصراع.
هذه كلها أصبحت أجزاء من خريطة أمن عالمي جديدة.
ولهذا كنت أكتب مرارًا عن الانتقال من هرمز إلى باب المندب، وعن البحر والموانئ، لأن المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول من يملك الصاروخ الأطول مدى، وإنما:
من يستطيع إبقاء الاقتصاد العالمي يتحرك؟
إيران لم تعد تقاتل فقط من أجل إيران
هذه نقطة يجب فهمها بعيدًا عن الشعارات.
المشروع الإيراني يعرف أن المواجهة المباشرة المفتوحة مع خصوم يفوقونه عسكريًا قد تكون مكلفة للغاية.
لذلك تصبح الجغرافيا جزءًا من ميزان الردع.
إذا ضاق الخناق في هرمز، يرتفع الضغط على الخليج.
وإذا امتد التوتر إلى باب المندب، ينتقل الضغط إلى البحر الأحمر.
وإذا اضطرب الاثنان معًا، فإن المسألة لم تعد إيرانية أو خليجية أو يمنية.
بل تصبح أزمة تجارة وطاقة عالمية.
وهنا تحديدًا تكمن الخطورة.
إنها محاولة لتحويل الجغرافيا إلى قوة تفاوضية.
لكن المشكلة أن اللعب بالممرات البحرية يشبه اللعب بالنار داخل مخزن وقود.
يمكنك أن تشعل زاوية صغيرة للضغط على خصمك…
لكن لا أحد يستطيع ضمان أين ستتوقف النار.
وهنا أرى العاصفة القادمة
لا أعتقد أن الجولة الكبرى انتهت.
وأقولها بوضوح:
أخشى أن ما شهدناه حتى الآن لم يكن سوى الفصل الأول.
ليس لأن الأطراف تريد بالضرورة حربًا شاملة، بل لأن مساحة الخطأ أصبحت أكبر من قدرة الجميع على التحكم فيها.
صاروخ يخطئ هدفه.
سفينة تُصاب.
منشأة طاقة تتعرض لضربة كبيرة.
مقتل أعداد كبيرة في هجوم واحد.
إغلاق فعلي لأحد الممرات.
أو قرار سياسي يُتخذ تحت ضغط داخلي.
يكفي واحد من هذه السيناريوهات لنقل المنطقة خلال ساعات من التوتر المحسوب إلى الانفجار غير المحسوب.
وهذا هو أخطر ما في المشهد.
الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا لأن الجميع يريدها.
أحيانًا تبدأ لأن الجميع اعتقد أنه يستطيع الاقتراب من حافتها دون أن يسقط فيها.
السعودية تقرأ المشهد بطريقة مختلفة
وسط كل هذه الفوضى، أرى أن أهم ما يميز السياسة السعودية أنها لا تنجر بسهولة إلى إيقاع الآخرين.
هناك فرق بين دولة تريد أن تكسب جولة إعلامية، ودولة تريد أن تحمي خمسين سنة قادمة.
المملكة اليوم تبني اقتصادًا جديدًا، ومدنًا جديدة، وصناعات دفاعية، وموانئ، وشبكات لوجستية، واستثمارات عالمية، وممرات اقتصادية، وعلاقات متعددة الاتجاهات.
ولهذا فإن مصلحة السعودية ليست في الفوضى.
مصلحتها في الاستقرار.
ولكن يجب ألا يُفهم السعي إلى الاستقرار على أنه ضعف.
الحكمة شيء، والعجز شيء آخر.
والدولة القوية ليست الدولة التي تطلق النار أولًا، وإنما الدولة التي تجعل خصمها يفكر طويلًا قبل أن يطلق النار عليها.
وهذه، في تقديري، إحدى أهم معارك المرحلة القادمة:
بناء الردع دون الوقوع في فخ الحرب.
وما بين هرمز وباب المندب… توجد حضرموت
وهنا أصل إلى النقطة التي أكررها منذ سنوات.
من ينظر إلى حضرموت باعتبارها قضية محلية صغيرة لم يفهم بعد الخريطة الجديدة للمنطقة.
حضرموت تطل على بحر العرب.
وتقع بالقرب من واحد من أهم مسارات التجارة والطاقة في العالم.
وهي امتداد جغرافي طبيعي بين الجزيرة العربية والمحيط الهندي.
ومع كل اضطراب في هرمز، تزداد أهمية البدائل.
ومع كل تهديد لباب المندب، ترتفع قيمة السواحل والموانئ والممرات الآمنة.
لهذا فإنني أعتقد أن القيمة الجيوسياسية لحضرموت في السنوات القادمة ستكون أكبر بكثير مما يتصور كثيرون اليوم.
وما كان يُنظر إليه بالأمس باعتباره هامشًا، قد يصبح غدًا جزءًا من قلب معادلة الأمن الإقليمي.
وهنا يجب أن يكون القرار الحضرمي واعيًا، مستقلًا، وقادرًا على قراءة المستقبل، لا أسير صراعات صغيرة بينما العالم يعيد رسم خرائطه الكبرى.
نحن أمام شرق أوسط مختلف
العالم نفسه يتغير.
أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد.
الصين تنظر إلى المنطقة من بوابة الطاقة والتجارة.
أوروبا تخشى اضطراب الإمدادات.
روسيا تبحث عن مساحات نفوذ.
الهند تصعد اقتصاديًا.
والخليج لم يعد مجرد مصدر للطاقة، بل يتحول تدريجيًا إلى مركز استثمار ولوجستيات وتقنية وقرار سياسي.
ولهذا فإن الصراع القادم لن يكون فقط على الأرض.
سيكون على من يملك مفاتيح الاقتصاد الجديد للمنطقة.
الموانئ.
الممرات.
الطاقة.
البيانات.
الذكاء الاصطناعي.
الصناعة.
والقدرة على حماية كل ذلك.
لذلك لا يخدعني الهدوء
حين تخفت أصوات المدافع، أراقب حركة السفن.
وحين تهدأ التصريحات، أراقب حركة الجيوش.
وحين تبدأ المفاوضات، أبحث عن البنود التي لم يُتفق عليها.
وحين يقول الجميع إنهم لا يريدون الحرب، أتذكر أن معظم الحروب الكبرى قال أطرافها الشيء نفسه قبل اندلاعها.
هناك شيء يتشكل في المنطقة.
قد لا نعرف توقيته.
وقد لا نعرف الشرارة التي ستطلقه.
ولكن مؤشرات كثيرة تقول إن مرحلة ما قبل الأزمة الكبرى لم تنته بعد.
بل ربما نحن ندخل أكثر فصولها حساسية.
وأعتقد أن الأشهر القادمة ستكشف أن الصراع لم يعد يدور فقط حول إيران، ولا إسرائيل، ولا أمريكا، ولا اليمن.
السؤال أصبح أكبر:
من سيكتب قواعد الشرق الأوسط بعد هذه الحرب؟
ومن سيملك البحر؟
ومن سيحمي الطاقة؟
ومن سيضمن الممرات؟
ومن سيملك القرار عندما تتغير موازين القوة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد شكل المنطقة لعقود.
ولهذا فإنني، وأنا أنظر إلى المشهد اليوم، لا أرى هدوءًا بالمعنى التقليدي.
أرى قطع الشطرنج تتحرك ببطء.
أرى القوى تعيد التموضع.
أرى أوراق الضغط تُجمع.
وأرى الممرات البحرية تتحول إلى خطوط تماس.
وأرى الجميع يستعد للجولة التالية، حتى وهو يتحدث عن السلام.
إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
لكنني أخشى أن تكون العاصفة القادمة…
أكبر من كل ما سبق.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
19 أغسطس 2026م
