ترمب والعمامة

ترمب والعمامة
لم يعد المشهد بين واشنطن وطهران يحتاج إلى محلل سياسي بقدر ما يحتاج إلى شخص يحتفظ بنسخة من جدول الأسبوع الماضي.
فكل شيء يعاد تقريبًا بالنبرة ذاتها، والتهديد ذاته، والوسطاء أنفسهم، والنتيجة المؤقتة ذاتها.
صرنا حافظين سيناريو ترمب مع العمامة الإيرانية كما نحفظ نشرة الأخبار:
الإثنين:
إيران تريد اتفاقًا، لكنها ليست مستعدة لتقديم التنازلات المطلوبة.
الثلاثاء:
لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وكل الخيارات مطروحة على الطاولة.
الأربعاء:
إيران أصبحت ضعيفة، واقتصادها ينهار، ونفوذها يتراجع.
الخميس:
تحركات عسكرية قرب السواحل الإيرانية، وتهديدات جديدة، فتقفز أسعار النفط وتتوتر الأسواق.
الجمعة:
سنضرب إيران بشدة، وسنلقنها درسًا قاسيًا لن تنساه.
وفي الجمعة ذاتها، تفتح إسرائيل الملاجئ، وترفع حالة الاستنفار، وتستعد المنطقة لليلة قد تبدو وكأنها الأخيرة.
السبت:
تحذير للأمريكيين بمغادرة الشرق الأوسط، وتحذيرات للسفن والطائرات، وانتشار خرائط القواعد العسكرية على شاشات التلفزة.
الأحد:
تدخل خمس دول على خط الوساطة، وتبدأ الاتصالات السرية والعلنية، ثم يعلن ترمب تأجيل الضربة، فتتراجع أسعار النفط، وتتنفس الأسواق، ويعود الجميع للاستعداد لحلقة جديدة تبدأ يوم الإثنين.
وهكذا ندور في الحلقة ذاتها:
تهديد… ثم استنفار… ثم وساطات… ثم تأجيل… ثم عودة إلى التهديد.
لكن المسألة أعمق من مجرد رجل يطلق التصريحات، وعمامة تجيد المناورة.
إنها لعبة مصالح كاملة، لكل طرف فيها ما يربحه من بقاء الأزمة معلقة، لا هي تنفجر بالكامل ولا تنتهي بالكامل.
ترمب لا يتحدث إلى إيران وحدها.
هو يتحدث إلى الناخب الأمريكي، وإلى إسرائيل، وإلى الحلفاء، وإلى شركات السلاح، وإلى أسواق النفط، وإلى الخصوم الذين يراقبون حدود القوة الأمريكية.
حين يقول إن إيران أصبحت ضعيفة، فهو لا يصف الواقع فقط، بل يصنع رواية سياسية تقول إن الضغط نجح.
وحين يقول إنه سيضربها، فهو لا يعلن بالضرورة قرارًا عسكريًا، بل يرفع سقف التفاوض، ويضع الخصم تحت ضغط الوقت والخوف والأسواق.
أما العمامة الإيرانية، فهي الأخرى لا تتحدث إلى ترمب وحده.
هي تتحدث إلى الداخل الإيراني، وإلى حلفائها في المنطقة، وإلى خصومها، وإلى العالم الذي تريد إقناعه بأنها محاصرة لكنها لم تنكسر.
كل تهديد أمريكي يمنح النظام الإيراني فرصة ليعيد تقديم نفسه بوصفه حامي السيادة، وكل تراجع أمريكي يقدمه الإعلام الإيراني باعتباره نصرًا للمقاومة.
ولهذا قد يبدو الصراع، في بعض مراحله، مفيدًا للطرفين.
ترمب يحتاج عدوًا يهدده ويظهر أمامه بمظهر الرجل القوي.
والعمامة تحتاج خصمًا خارجيًا تبرر به أزماتها، وتشدد قبضتها على الداخل، وتعيد تعبئة جمهورها.
أما الحرب الكاملة، فهي أمر آخر.
الحرب لا تدار بتغريدة، ولا تتوقف باتصال هاتفي، ولا يمكن ضمان نتائجها في منطقة مليئة بالقواعد العسكرية والممرات البحرية والجماعات المسلحة والمصالح المتقاطعة.
ضربة واحدة قد ترفع أسعار النفط، لكن حربًا واسعة قد تهز الاقتصاد العالمي كله.
وهنا تظهر قيمة التهديد أكثر من قيمة التنفيذ.
التهديد يمكن استخدامه عشر مرات.
أما الحرب، فقد تبدأ مرة واحدة ثم تفلت من يد الجميع.
ولهذا فإن أكثر ما يميز هذه العلاقة هو ما يمكن تسميته بـالتصعيد المحسوب.
كل طرف يقترب من الحافة، لكنه يحاول ألا يسقط منها.
ترمب يرفع العصا حتى يظن الجميع أنه سيضرب، ثم يترك باب التفاوض مفتوحًا.
وإيران ترفع صوتها وتلوح بالرد، لكنها ترسل في الوقت ذاته رسائل عبر الوسطاء بأنها لا تريد حربًا شاملة.
وفي المنتصف تقف دول المنطقة والأسواق والشعوب، تدفع ثمن هذا المسرح المتكرر.
يرتفع النفط مع كل تهديد، وتنخفض الأسواق مع كل احتمال للحرب، ثم تعود للهدوء حين يبدأ الوسطاء عملهم.
وكأن الشرق الأوسط لم يعد فقط ساحة صراع سياسي، بل شاشة تداول كبرى، تحركها الكلمات قبل الصواريخ.
والأخطر أن تكرار هذا السيناريو قد يصنع وهمًا خطيرًا.
فحين يتكرر التهديد ولا تقع الحرب، يبدأ الناس في الاعتقاد أن كل شيء مجرد استعراض.
لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار كبير وواضح، بل قد تبدأ بخطأ صغير، أو ضربة محسوبة بصورة خاطئة، أو رد مبالغ فيه، أو قائد يظن أن الطرف الآخر سيتراجع كعادته.
عندها يتحول المسرح إلى واقع.
وتتحول التهديدات التي اعتاد الناس سماعها إلى صواريخ لا يمكن إعادتها إلى منصاتها.
السخرية في المشهد واضحة، لكنها سخرية سوداء.
نضحك لأننا حفظنا السيناريو، لكننا نعرف أن الحلقة قد تتغير في أي لحظة.
نضحك من جدول التصريحات، لكن المنطقة كلها تدرك أن كلمة واحدة غير محسوبة قد تكسر هذا الإيقاع المتكرر.
في نهاية كل أسبوع، يخرج كل طرف أمام جمهوره منتصرًا.
ترمب يقول إنه أرعب إيران وأجبرها على طلب الوساطة.
والعمامة تقول إنها صمدت وأفشلت العدوان الأمريكي.
إسرائيل تقول إنها رفعت جاهزيتها وحمت أمنها.
والوسطاء يقولون إنهم أنقذوا المنطقة من الحرب.
أما الحقيقة، فهي أن الأزمة لم تُحل.
الملف النووي باقٍ.
العقوبات باقية.
العداء باقٍ.
التهديدات باقية.
والمنطقة تبقى معلقة بين ضربة مؤجلة واتفاق لا يولد.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل سيضرب ترمب إيران هذا الأسبوع؟
بل:
إلى متى يستطيع الجميع تكرار اللعبة نفسها دون أن يتحول التمثيل إلى حرب حقيقية؟
وهل الصراع بين ترمب والعمامة صراع يريد أحد الطرفين حسمه فعلًا، أم أنه أزمة يحتاج الطرفان إلى بقائها؟
ربما أصبح عنوان المرحلة كلها:
لا حرب تنتهي… ولا سلام يبدأ.
فقط ترمب يهدد، والعمامة تناور، والوسطاء يتحركون، والنفط يصعد ويهبط، والشرق الأوسط ينتظر الحلقة القادمة.
ترمب والعمامة… مسلسل أسبوعي، لكن نهايته قد لا تكون
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
التاريخ: 2 أغسطس 2026
#ترمب
#إيران
#الولايات_المتحدة
#الشرق_الأوسط
#السياسة
#النفط
#السعودية
#الاستقرار
#حوار_الطرشان
#صالح_المرزم

