كُتاب الرأي

هرمز… القيادة للسعودية

هرمز… القيادة للسعودية

من إدارة الحرب إلى صناعة النظام الذي يأتي بعدها.

في المقالين السابقين وصلت إلى نتيجة أراها شديدة الأهمية: إذا فتحت الولايات المتحدة مضيق هرمز بالقوة ثم عادت الأمور بعد انتهاء الحرب إلى ما كانت عليه، فإن العالم لم يحل المشكلة. لقد أجّلها فقط.

ستعيد إيران بناء جزء من قدراتها، وسيعود التهديد، وسترتفع أسعار النفط، وستتحرك الأساطيل، ثم تبدأ الأزمة من جديد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نفتح هرمز؟ بل: كيف نجعل إغلاقه مستقبلاً أمراً غير ممكن أو بالغ الكلفة لأي طرف؟
وهنا أعتقد أن المملكة العربية السعودية يجب ألا تنتظر الإجابة الأمريكية، بل ينبغي أن تقود صياغتها.

لماذا السعودية وليست أمريكا؟

لأن الولايات المتحدة طرف مباشر في الحرب. وأي مشروع أمريكي منفرد لإعادة هندسة أمن هرمز سيُقرأ في عواصم عديدة باعتباره توسعاً في النفوذ الأمريكي.
أما السعودية فتملك وضعاً مختلفاً. هي أكبر قوة عربية خليجية، وقوة مركزية في أسواق الطاقة، وحليف استراتيجي للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه لديها علاقات مهمة مع الصين والهند وروسيا وأوروبا، ولها ثقل عربي وإسلامي.
والأهم أنها تستطيع أن تقول للعالم: هذه ليست مبادرة ضد إيران؛ هذه مبادرة لمنع أي حرب مستقبلية من إغلاق أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

لا لتدويل السيادة… نعم لتدويل ضمان الملاحة.

يجب أن تكون الصياغة السعودية شديدة الدقة: لا نقول لننتزع هرمز من إيران، ولا لنحتل الجزر الإيرانية، ولا لنغير الحدود. بل نقول: سيادة الدول مصونة، ولكن حرية الملاحة الدولية لا يجوز أن تكون رهينة حرب أو قرار دولة أو جماعة مسلحة.
هذه المعادلة تستطيع الصين والهند وأوروبا واليابان وكوريا والولايات المتحدة ودول الخليج التعامل معها باعتبارها مصلحة مشتركة.

كيف يمكن أن تبدو المبادرة؟

يمكن للسعودية، بالتنسيق أولاً مع الإمارات وعُمان ودول مجلس التعاون، أن تدعو إلى مؤتمر دولي حول أمن الممرات البحرية والطاقة في الخليج.
ثم يُبنى على ذلك إطار أوسع: قوة بحرية متعددة الجنسيات، قيادة مشتركة، نظام دائم لنزع الألغام، مراقبة بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، مراكز إنذار مبكر، تبادل معلومات استخباراتية بحرية، وآلية لحماية السفن التجارية عند الأزمات.
ليس المطلوب احتلال المضيق. المطلوب أن يعرف الجميع أن إغلاقه لن يصبح مرة أخرى قراراً تستطيع جهة واحدة اتخاذه.

وأين الإمارات؟

الإمارات شريك أساسي في أي تصور من هذا النوع، ولديها أيضاً ملف الجزر الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة قد تمنح أبوظبي فرصة لإعادة طرح قضيتها ضمن مناخ دولي مختلف. لكن يجب الفصل قانونياً بين حق الإمارات في المطالبة بجزرها وحق العالم في حرية الملاحة، ثم يمكن أن تتقاطع المصالح الأمنية لاحقاً إذا تمت تسوية ملف الجزر.

وماذا عن عُمان؟

عُمان ليست دولة هامشية في هذه المعادلة. إنها دولة المضيق من الضفة العربية، وأي نظام أمني جديد لهرمز لا يمكن أن يكون متوازناً ومستداماً من دون مسقط.
بل إن مشاركة عُمان قد تكون من أهم مصادر الشرعية السياسية للمشروع، لأنها تستطيع المساهمة في ضمان ألا يظهر باعتباره حصاراً غربياً لإيران، وإنما إطاراً إقليمياً لحماية الملاحة.

وهنا تظهر قيمة القيادة السعودية: ليس أن تتصرف منفردة، بل أن تجمع.
السعودية والإمارات وعُمان ودول الخليج أولاً، ثم الولايات المتحدة والصين والهند واليابان وكوريا وأوروبا والدول الكبرى المستهلكة للطاقة.

لماذا قد تأتي الصين؟

لأن الصين لا تحتاج إلى حب أمريكا لكي تحمي ناقلة نفط. المصالح هنا أقوى من السياسة.
وهنا تستطيع السعودية تحويل أمن هرمز من قضية تحالفات إلى قضية مصالح. وهذه هي الطريقة لبناء مظلة دولية حقيقية.

السعودية لا تحتاج إلى خوض الحرب لكي تصنع ما بعدها.

في التاريخ، ليست الدولة الأكثر تأثيراً دائماً هي التي تطلق أكبر عدد من الصواريخ. أحياناً تكون الدولة الأكثر تأثيراً هي التي تكتب القواعد بعد توقفها.

وإذا استطاعت الرياض أن تقود بعد هذه الأزمة اتفاقاً دولياً جديداً لأمن هرمز، فإنها لن تكون قد حمت صادرات الخليج فقط، بل ستكون قد وضعت المملكة في مركز هندسة أمن الطاقة العالمي.

وهناك بعد سعودي آخر يجب ألا نغفله: البحر الأحمر.

كل أزمة في هرمز تعيد تذكير العالم بالقيمة الاستراتيجية الهائلة لامتلاك المملكة ساحلين: الخليج شرقاً والبحر الأحمر غرباً.
وكلما ارتفعت مخاطر هرمز، ازدادت أهمية خطوط الأنابيب التي تستطيع نقل الطاقة إلى الساحل الغربي، والموانئ السعودية على البحر الأحمر، وقدرة المملكة على تنويع طرق التصدير.

لذلك يجب أن تكون الاستراتيجية السعودية ذات جناحين: ضمان حرية هرمز دولياً، وتقليل اعتماد أمن الطاقة السعودي عليه استراتيجياً.

إيران أيضاً يجب أن تكون جزءاً من النهاية.
إذا كان المطلوب نظاماً دائماً لهرمز، فلا يمكن أن يقوم إلى الأبد على حرب مفتوحة مع إيران. يمكن هزيمة قدرة عسكرية، لكن الجغرافيا لا يمكن هزيمتها.

إيران ستبقى على الضفة الأخرى. ولذلك يجب أن يكون الهدف النهائي نظاماً يجعل إيران نفسها، أياً كان شكل السلطة فيها بعد الحرب، صاحبة مصلحة في بقاء المضيق مفتوحاً، لا صاحبة قدرة على ابتزاز العالم بإغلاقه.

من يكتب اليوم التالي؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن تفكر فيه الرياض من الآن، لا بعد انتهاء الحرب.
لأن القوى الكبرى ستجلس عاجلاً أو آجلاً لتناقش اليوم التالي: مستقبل إيران، أمن الخليج، البرنامج الصاروخي، الملاحة، الطاقة، والترتيبات العسكرية الجديدة.
وإذا لم تضع دول الخليج تصورها على الطاولة، سيضع الآخرون تصوراتهم لها.
ولهذا أرى أن السعودية يجب أن تبدأ من الآن بالدعوة إلى مبدأ واضح:

مضيق هرمز ممر دولي حيوي، وأمن الملاحة فيه مسؤولية جماعية، ولا يجوز بعد هذه الحرب أن تبقى قدرة تعطيله أداة ردع بيد أي دولة أو جهة مسلحة.
ليس المطلوب نزع سيادة إيران، ولا نزع سيادة عُمان، ولا احتلال الجزر. المطلوب نزع سلاح الإغلاق من المعادلة.

إذا قادت السعودية مبادرة خليجية ثم حولتها إلى تفاهم دولي تشترك فيه القوى الكبرى المستهلكة للطاقة، فإننا نكون أمام نظام دولي لأمن هرمز تقوده المنطقة بدلاً من أن يُفرض عليها.

وهنا تحديداً أرى الفرصة السعودية: ليس في دخول الحرب، بل في قيادة ما بعدها. ليس في احتلال أرض إيرانية، بل في منع استخدام الجغرافيا الإيرانية مرة أخرى لإغلاق شريان عالمي.

هرمز يجب ألا يُغلق مرة أخرى.

إذا نجحت الرياض في تحويل هذه العبارة إلى نظام دولي قابل للتنفيذ، فإن المملكة لن تكون قد أسهمت فقط في إنهاء أزمة، بل ستكون قد ساهمت في كتابة إحدى أهم قواعد النظام الأمني الجديد للخليج.
والدول الكبرى لا تنتظر التاريخ حتى يُكتب.
هي التي تكتب الصفحة التالية منه.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
4 سبتمبر 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.